الأحد، 5 فبراير 2017

سنام الجبل: 2 
 لم أكن مستعدا... كان أمامي عديد من الخيارات. آه عفوا لم أخبر الجميع أني أنا في زنزانتي هذه، منذ مدة. أقمتها بنفسي فمنذ ما يقارب العقد من السنوات وأنا أعيش بعيدا عن عنت الناس وكذبهم ونفاقهم الذي تعرفونه أكثر مني لكني إرتأيت بصورة فردية أن أحاكم نفسي قبل محاكمتهم، لذلك ارتأيت أن أعيش في هذا المكان النائي بعد أن طوعت نفسي لحياة على غاية من البساطة، أي أن أعيش دون استعمال لما يكدر الذهن والفكر والعقل... أنا إذن، وقد قررت أن أعترف أؤكد للجميع أني في حل من التمويه والخوف والقنوط الذي تعيشونه بامتياز، فقط هي التي تبعتني وإذا بالآمر ينقلب. فماذا أقول وكيف أبدأ وهي التي تعرف القاصي من ذاتي والداني...
 قد قيل لي في وقت مضى إن الوقوف أمام المرآة تساعد الشخص في الولوج إلى ذاته ....فتسهل عندها الاعترافات و معرفة الخوافي... وقد تتيح لك أيضا العلاج......
 وقررت في ذلك اليوم أن أتزين جيدا بالعديد من المساحيق ووقفت قبالة المرآة :"آآآآه قالت المرآة.....يا امرأة هل اعتقدت أنك ستختفين وراء هذا القناع أم أنك سعيت لتزينين نفسا قد اختنقت من كثرة الأراجيف....."وبدأت بفحص تلك المرأة.. فالجسد هو الجسد بشعرها المنسدل على كتفيها ذلك الشعر البني ،،والعينين هما ذاتهما تلمعان بتلك السطوة المثيرة والشفتين لم تتغيرا عما عرفها به من اكتناز مخصوص مريب... و كذلك اليدين والصدر والوجه والردفين......فلماذا إذا أحس بالاختلاف .....
 لم لا أرتاح لما ستؤول إليه أفكاري وهي تمر في خاطري و ها هي واقفة أمامها أمام المرآة كأنها تتجادل داخليا... ولم أكن لأنسى أني بها متيم،، وأنها معي على الدوام، تعيش في ذهني وتمرح في خاطري وكنت دون إرادة مني أذوب ذوبانا كاملا كلما ذهب بي الكلف بها أي مذهب... وها أهرب منها إليها،،، تماما كما تفعل الفراشة لا تحرك ساكنا أمام العجز الذي تشعر به وهي على قاب قوسين أو أدني من الاحتراق وما ألذه من احتراق...
 أي احتراق ؟؟ صرخ ذلك الصوت داخلها هل هو احتراقي في جسد فان يوما ما أنا لا أحسه رغم تلك الخلجات التي تنتابني أحيانا ......هل استطاعت رغم الكثير من الخسائر من الحد من اندفاعه لطريق الحرية ...ولكنها رغم صرامتها تقفز عاجزة أمام هذه الذات التي ترتسم في تلك النظرة التائهة تسبح في أرجاء غرفة باردة ظلماء تنيرها بعض المصابيح الخافتة بجانب المرآة تعطي ذلك الانطباع بالوجود ....فهي ذات شاردة لا تلتزم... وقد حارت في كبحها .....فهي تصور أحيانا فكرة مجنونة تعتقها من دائرة الغرفة الجوفاء... وأحيانا أخرى تحزن لحال جسد حبس نفسه اختياريا في قوقعة في ركن وسط عالم هو الخبال عينه تلك... فتراها تنعم به،، لا تريد مغادرته......
 والآن وقد انفرط العقد وتبدت أشياء على الحقيقة لا على المجاز،،، وانبرت أمامنا الخيارات المتنوعة فأنا أقر حتما أني على يقين مما أنا فيه واني مطالب بأن أستريح في هذه الوهاد حيث تستقيم الحياة في صورتها المثلى،،، أعني العيش دون خيال مجنح وإنما ألتقم الحياة على علاتها و أوصابها وجبروتها وأيضا في خفتها وجمالها ورونقها،،، فهل تتبعونني... أنا على علم أنه لا خيار لكم غير مساري ولا مطلب لكم إلا منهجي ....و المؤكد أنها تنتظرني في أنفة وقوة وصبر ..
 وعندما تعبت من التفكير،،، شخصت عينها إلى تلك المرآة و تأكدت من أنها امرأة نعم ......بذلك الشعر الطويل وذلك الجسد الندي البهي الطروب... 
 هي امرأة ولكنها ليست ككل النساء... فذاتها متعلقة بين أرض وسماء ....هي ذات من صدق حبرت ما كتبت ومن صفاء خطت خيوطا على غاية الرقة والنقاء و هي ذات متمسكة بما وجدت مهما اعترفت المرآة و أوحت..
 وإذ استراحت فيما ارتأت باغتها سؤال عجيب هل أنا أنا أم أنا الأخرى تلك التي تبدو أمامي في طفولتها تسير الهوينى وسط شارع مزدحم... لكنها مصممة على السير قدما متلبسة بالحياة مخلصة لوجهتها... وهي الآن تقف هنا،،، تحاسب صورة لا تعرف فعلا هل هي الصورة ذاتها التي تعكسها الذات المتمردة الصائحة في صمت والساكنة في صراخ عميق... وفجأة تفجرت المرآة أمامها وسقطت في فوهة بئر وكأنها استمعت لصوت ارتطام شديد،،، وامحى المشهد كاملا ولم يبق إلا ذلك الإطار المطاطي فولجته متأبطة ثقتها وإرادتها.... وذاك كان آخر عهدها بسواء السبيل.....
 م.مدائني- ه. ج.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق