الفصل الأوّل:
عدلي مصطفي
1. عدلي مصطفي يتحسس
الطريق رفقة ريم...
الذاكرة جذوة تتقد عند
الإنسان، لا تمحو إلاّ النادر من الأحداث التي تمر بنا... وإذ تضرب في البعد تضئ
ما كاد يتلاشي... وتنقشع ظلمة في الزوايا، فيغتبط الإنسان ويهدأ منطلقا في متاهات
الماضي يستجلي الخفايا...
هكذا كنت أفكر وأنا
عائد إلى "العريش" بعد طول غياب تنسمت روائح العرار والحلفاء والشيح،
وأنا في القطار، تنسمت الهواء المنعش، المسكر... فإذا الأضواء تنار تدريجيا،
والدوّار ينفجر أمامي بأناسه وأطفاله وكلابه وروثه... منذ متى تركت الديار. كيف
عدت بمثل هذه اللهفة... ذلك أيضا سيدخل حوزة الحافظة فيبقى كامنا، يبدو ويختفي
ليبدو من جديد لكي يختفي بعد ذلك في دورة متواصلة الحلقات... فأنسى الوحدة
والوحشة... إن ابن الآفاق القادم من بعيد يوقف الزمن ليبعث الحياة بدءا من
المنطلق، وهو يميل إلى إعطاء صبغة منطقية طبيعيّة تعتمد التسلسل التام والواضح بين
الأحداث...
فأبي، عندما ودّعني
أوّل مرّة عند محطة القطار، قال لي بصوت واضح النبرات ينّم على العطف والقسوة معا:
"إنّك رجل، تفهم الدنيا، لكنّي أوصيك بأداء الواجب والاهتمام بشؤونك... ولا
تنس الاتصال بنا... إنّني أعرف العاصمة... وما فيها... وأكبر فيك المثابرة
والتركيز..."
هذه الكلمات كانت ترّن
في أذني كلما راودتني أفكار غريبة... حتى عندما تعرّفت على "ريم" رنّت
هذه الكلمات وأعادت رنينها لكنها فقدت مفعولها إذ رمقت ريم وعينيها الواسعتين...
والكآبة التي تلفّها... "ريم" جاءتني كقطرة حرّى دخلت كياني وتسربت في
شراييني... دون أن أوقف التيّار الذي أخذني...
لم أكن أتوقع
الوقوع... لكن بدا لي الأمر بعد ذلك حتميا.
أما أمّي فإنها رمقتني
بعين دامعة وقبّلتني طويلا... وإذ ابتعدت في المسرب المؤدي إلى المحطة شعرت بخليط
من الأحاسيس... هي الخوف من المجهول، والحنين إلى ما كان والتطلع لما سيأتي...
أمّا جدّي الضاحك
دوما، فقد ربّت على كتفي بحنان ورفق، ورمقني كأنه يستجلي الخفايا وقال بصوت صارم:
"لا تبك... يا ولدي... كن رجلا مثل أبيك... ومثل زركويه..."
لم أع تماما ما قال،
وما يعني بزركويه، لكني تصورته شخصا عظيما... بطلا لا يضاهى...
ليست هذه هي المرة
الأولى التي أسمع فيها ذكر هذا الاسم، لكن نبرة جدّي هذه المرّة كانت غريبة...
عميقة... ساحرة... فأصبحت أميل دون وعي إلى صياغة نفسي حسب نهج اتبعه كنت أظنّني
أتقرّب به من صفات هذا الرجل... لقد كان لاسم زركويه هذا أثر كبير في الحيّ...
يتردد الاسم على الألسنة باستمرار... لكن دون أن يحاول أحد أن يسبر الأغوار ومعرفة
الكنه... حتى شيوخنا يلهجون بذكره باقتضاب شديد... فإذا ألمّ حادث وتجمّع الكبار
تحت شجرة الخروب الوحيدة... واستعصى الحلّ، يرددّون بخفوت: "كن معنا يا
زركويه..." ويعمّ الصمت لزمن غير محدود، حتى يعلو صوت "عمّ رابح"
قائلا: "استغفروا الله يا أهل الدوار..."
كان القطار يتّبع
طريقه عبر المنعطفات منطلقا وسط الغابات... وكان نسيم ربيعي يلفح الوجوه الحزينة،
المحشورة وسط العربة... كان الصمت مخيّما إلاّ هدير القطار الذي يتبع نسقا
معيّنا... التفتت إليّ ريم مبتسمة والقطار يمرق فوق جسر: "كلّما أوغلنا في
الجنوب أشعر بالحنين..." ابتسمت في وجهها... غير أن كآبة رفّت على محياها،
فقلت: "لا عليك..." رمقتني لحين ثم راحت ترمق عبر النافذة... و السهب قد
بدأت تبدو... سرابا يدعو...
إنّ ريم ترى في هذه
الرحلة، التي لن تدوم طويلا، ترويحا عن النفس وخروجا عن المألوف، هي بحث عن
الجديد... كأنها ما عرفت عواصم العالم، وما زارت ستوكهولم و فرانكفورد وباريس...
لقد عاشت وسط بيئة ثريّة، تؤمن بأن العقل السليم في الجسم السليم وأن الرحلات
تثقيف معرفة... وهي تمتاز بروح المغامرة... و إنني كلّما رمقتها ساهمة وترددت
كلمات أبي في أذني لكنني سرعان ما أغيب في زرقة عينيها، فإذا بي متعلق بها تعلّقا
غريبا لا أكاد أفهم مأتاه... ومنذ أن تعارفنا توطّدت العلاقة بيننا بسرعة مذهلة
حتى أصبحنا لا نكاد نفترق... كما أن أباها صار يدعوني بابنه...
إنّني، أحيانا، أحاول
أن أتفهّم الأشياء بوضوح، وأضع النقاط على الحروف لكني أشعر بعجز كبير أمام بعض
التصرّفات... أتقبّل الأشياء برحابة صدر غريبة... وإذ أغوص في متاهات هذا الوجه
تتجرد الأشياء من مدلولاتها، ويصبح الوجود كائنا دائم الحضور... وينتفي كلّ تساؤل
فأرنو إليها صامتا، وكأنما تحس بي دون أن تراني فتبتسم برفق باد...
وإذ تسألني عن بلدتي
البعيدة وهي تتحدث عنها كما تتحدث عن الأدغال الإفريقيّة، وتقول لي بصوت خفيّ:
"لا أعلم لم تهاجرون إلى الشمال... وفي الجنوب ما يدعو..." فأضحك...
وأحدثها عن الدأب المتواصل الذي يعيشه الأعراب في السهوب والفيحاء... وكثيرا ما
تدمع منها العين وأنا أروي لها حياتي الطفولية و أصف لها ما يعاني الأطفال ذوو
العيون السود الذين لا يعرفون فرقا بين الشتاء والصيف...
لقد كانت تنصت إلى
أحاديثي في صمت عميق كأنها تستجلي تلك الأبعاد... ثمّ تضحك مردّدة لهجة أبي وهو
يأمرني صباحا: "خذ الفأس... خذ الفأس يا عدلي..." هي لا تعلم أن أهل
بلدتي يحملون الفؤوس... ويقتلعون الحلفاء صباحا، مساء، بأيديهم... كما لا تعلم أن
الرجل يبتني عشّه في يوم ويصبح ذا عائلة في أسبوع... وهي لا تدري أيضا أن الدوّار
قد بدأ شيئا فشيئا مند أن ابتنى "العم سالم سليمان" صاحب الدكان بيتا
حديثا، وأقام حوله حديقة كانت جنّة الدنيا وقد كان "وليد" يفتخر... وهو
يرمي لنا بثمار التوت اللذيذة الطعم فنأكلها مغمسة في التراب...
كان القطار يمرّ
بمنعرج ليدخل سهلا مخضرّ الأديم على مرمى البصر عندما خاطبني شيخ صبوح الوجه كان
يجلس قبالتي مشيرا إلى الخضرة: "هذا العام مبارك..." ثم أضاف بصوت رخيم
"أنتم شباب اليوم... ما عرفتم أعوام الجوع... والحرب الكبرى..." وواصل
وهو يمسح جبينه: "لقد عشنا على الماء والحساء... وهناك من مات...
جوعا..." وأضاف بنبرة حزينة: "بركة زركويه لن تنقطع..."
ابتسمت في وجهه
ومحاولا أن أسبر الأغوار الدفينة، رأيت فيه بعض الملامح من جدّي... وعندما التفتت
إلى ريم تذكرت، والحمرة تكسو وجهها، تذكرت بغتة خديجة... وكأنّما هفا القلب
فوجدتني أعدو وراء ذات الجدائل، ونستلقي بين النباتات البريّة التي ما عرفت الماء
وما ارتوت... معا جنبا إلى جنب إزاء هذه المصابيح الباهتة اللون... وتنظر خديجة
إلى السماء وتقول بخفوت: "أتعلم... لقد حدثني أبي عن زركويه... هو جدّنا...
كان طويل القامة، طويل الأنف، ضيّق العينين... وله حالات غريبة لا تفهم..."
تصمت خديجة... وكالخائفة تلتصق بي وهي تبوح بالسرّ... أشعر بدفقان الدم في
شرايينها، و يخيّل إليّ أنني أعرفها منذ سنين لا تحدّ... وأجيبها متصنّعا المعرفة
المطلقة: "زركوية جدّنا رحل... ولا أحد يعلم مقرّه... قيل اعتكف لما رأى
النّاس تأكل الحرام ولا تقاوم الشرور...".
وتتلاعب خديجة بشعريّ
البربري ثم تنهض راكضة... ويصيح الأطفال وهم يبحثون عنّا... ولا ينتهي الصياح إلا في
ساعة متأخرة... أو هكذا نتخيّل...
إنّ زركويه بقي في
أذهان أهل الحارة كمثل حاضر غائب يتواجد من حين لآخر، وهو كالحلّ السحري لأمور
متعدّدة، هو الجامع بين الخير والشرّ في نقطة لقاء يتمنى المرء أن يوفق في الوصول
إلى تحقيقها...
زركويه.
يبدو الاسم غريبا، وقد
لهجت به كل الحناجر في تلك الروابي والمنحدرات وكلّما اقتربت من الجنوب أحسست أن
مدى هذه الكلمة تتسع وتكبر وتتعاظم. فالأطفال يتصورونه فوق البشر، يخشعون دون وعي
عند التلفّظ به... وكان الكبار يلهجون باسمه باحترام وإجلال... فكأنّه مبثوث في
كلّ مكان، موجود في كلّ زمان لعلّه صاحب كرامة عظيمة... وهو كالهاجس يؤنس وحدتك
ويأخذ بيدك عند الشدّة...
لا يذكره "عمي
الناجي سلطان" إمام الدوّار إلاّ أعاد إلى الأذهان ما وقع له في أحدى الليالي
الشتائيّة... إذ كان عائدا من البلدة المجاورة... ولولا كرامة زركويه لكان الوادي
الكبير قد دفع به مع التيّار...
لقد شاهد شيخا فارع
الطول صبوح الوجه ذا لحية بيضاء كاللبن يمدّ له عصا طويلة... وسرعان ما وجد الإمام
نفسه على الضفّة الأخرى... هل هي أحلام أم تصوير خيال جامح، هذا ما ينفيه الشيخ
الإمام نفيا قطعيا... بل يرمي من تخوّل له نفسه هذا التفسير بالكفر والجحود وسواد
القلب...
وكان شعورنا، نحن
الأطفال، بوجوده حولنا يرقبنا ويحصي خطايانا خليطا من الحب والخوف والريبة...
وكانت خديجة تخشاه وتمجّده ممّا دفعنا إلى الاعتقاد بأن زركويه دائم الحضور،
يتجسّد في كلّ شيء و يتّخذ شتى الأشكال والألوان... وكلّما ذكر زركويه تشخص خديجة
إلى بعيد وتجلس تحت شجرة الخروب العجوز وقد لفتها كآبة عجيبة... و وجدت نفسي أنقاد
تدريجيّا إلى آرائها التي بدت فتحا جديدا في دنيا اللعب والبراءة الأولى...
وكان "وليد"
يدعوه صراحة جدّه... مستثيرا فينا كوامن الارتباط فتتحرش به خديجة مؤكدة أن أباها
حدّثها عن زركويه من خلال بعض الكتب التي يملكها... وهو رجل ورع يحبّ الناس ولا
يريد بهم الشرّ بقدر ما يريدونه لأنفسهم... وفي الختام هو الذي أمر قبيلتنا بقيادة
جدّنا "سليم الغنوّي" بالهجرة إلى المغرب للاستقرار هناك...
هل هو التردد الذي
يأخذني أم هو الخيال يحملني إلى متاهات الزمن البعيد وريم ترمقني بصمت خفيّ، عندما
لفحتني أنفاسها وهي تلامس شعري و تتلاعب به ثم تمسك بيدي في حنان طفولي وتقول
بخفوت: "ما لك...؟" وكأنما وجمت لحين فقالت: "عذبة هي روائح العرار
والشيح...". بهيام شديد تعمقت عينيها بحثا عن الذي ما كان يجب أن يكون ...
وإذا خديجة تبدو في البعيد. أمسكت يدها. شعرت بالحرارة المنسابة، انتفضت كأني أفيق
من حلم ضبابي الأطراف والمشاهد... حقيقة لم أحدثها عن خديجة ذات العيون السود
والبشرة القمحية التي يغوص القلب منجذبا إلى نداء دافئ صادر من الأعماق، لم أحدثها
عن الشعر الناعم الملمس الذي ما عرف العطورات وما ناله المقصّ... لم أحدثها عن
الوجه الصافي والأنف الدقيق الانحدار. لقد وصفت لها حياتنا بدقة متناهية لكني – عن
قصد أو غير قصد – أهملت الحديث عن خديجة، وعن أحاديث خديجة عندما نكون وحيدين
محشورين وسط الشجيرات الباهتة اللون، أو إزاء النار في ليالي الشتاء الذي لا
يرحم...
لِمَ لم أحدثها عن كلّ
ذلك، لماذا لم أبح لها به كأنه سرّ مكنون، صحيح... إنها لم تضع أيّ سؤال ولم
تطالبني بالإجابة عن كل الأسئلة... ولكني كنت أودّ لو كان في أمكاني أن أوضّح ما
خفي... وأضيء علاقات الصغار التي تبدو كالخيط الدقيق الذي يشتدّ على مدى العمر
ويتوطد...
لقد حدّثتني ريم كثيرا
عن أصدقائها بنوع من الصراحة بل بصدق ووضوح تام... كما أنها أكدّت لي المرار
العديدة على أنّ علاقتنا لن تنفصم ولن يعتريها الفتور... فلماذا لم أحدثها عن
خديجة بالذّات؟ لم أدر السبب ولكنّي كنت أعلم أنّني سأجابه تناقضا سأحاول قدر
المستطاع أن أعالجه بمفردي... ورغم أنني لم أخش هذه الرحلة مبدئيا لكنّي أحسّ
داخليا أنني سأجبر على أتباع طريق معيّن... وأتخذ موقفا سيكون له الأثر البالغ على
المستقبل...
إنى أعلم أنّ الأمور
سريعة التغيّر في الحارة، وأن الأحداث تتعاقب خاصة أن أهل البلدة لا يستقرون على
حال فهم ينتقلون من حين لآخر، وأنه ليحزّ في نفسي أن أجد الرفاق قد بارحوا الأرض
الشهباء إلى المدن بحثا عن العمل... وسأعلم أن "ذهبيّة" قد تزوجت
و"صلوحة" قد أنجبت بنتا كالقمر، أسمتها "برقوقة"... و أن
"مبروكة" قد سافرت إلى هولندا رفقة زوجها سمير العامل بالخارج... وأن
"ابن يوسف الحجام" قد حجّ...
إن أبناء الآفاق
ينامون معا، وعند الوعي بالواقع يلاحظ أن كلّ شيء قد تغيّر وأن الشيخ المحرز قد
توفي إثر مرض عضال، وأن أحمد الفاني قد تزوّج للمرّة الثانية تاركا "عائشة
بنت عمي صويلح" لوحدها... ويأتي المطر كالعادة شحيحا... فلا ترتوي الحلفاء
الباهتة ومع ذلك تتكاثر ويعمل الناس ليلا نهارا حتى لا يعرف لهم الجوع منفذا...
كلّما رمقت ريم بإمعان
يعتريني إغفاء جميل، كأني أريد الولوج لأدغال لم تكشف، والبحث عن سرّ عميق... لم
أدر كيف وقعت حالما رأيتها أوّل مرّة في الفصل. كان الأستاذ ذو النظرات الحادّة،
يحدّثنا عن الفنّ الفينيقي... بإطناب ممّل وبصوت كالهمس... وكنت أجلس في أخر
الصفّ، منتبها إلى تعليق الأستاذ التي يلوكها يوما... إذ أحسست بنظرات شديدة
تستثيرني... وكأنها تستدرجني... قاومت وعيناها تنهلان من جسمي الأسمر... وما كان
منها إلا أن جاءت لتجلس قربي كأننا قد تعارفنا من زمن بعيد، قالت: ... "ريم
سليم"... قلت: "عدلي مصطفى"... فقالت بخفوت واضح: "إني أدعوك
للحفل الذي سيقام عندنا..." وواصلت والأستاذ يتأهب لمغادرة القاعة...
"عيد ميلادي..."
زغردت الفصول بداخلي
وحلقت في الأبعاد عصافير ناعمة الريش وترددت على مسامعي كلمات أبي بصوت مكتئب فيه
تأنيب وسخط... لكني تبسمت: "...شكرا..."
كانت تتكلم بالفرنسية
بطلاقة غريبة... و بعد صمت قصير ونحن في الممّر الضيّق قالت: "عفوا... الاسم
الحقيقي آمال سليم أحمدي... أبي يدعوني ريم... أدرس علم الاجتماع والفلسفة وأهتم بالتاريخ
القديم... أحضر هذه الدروس بصورة منتظمة" أجبت والقلب منّي يهفو إلى المجهول:
"لنبارك هذا التعارف..." هل رماها الربّ أمامي لتحطم كلّ شيء لكي تعيد
البناء من جديد أم هي محض صدفة... هل هو تخطيط أم هو اللقاء العابر الذي يتوطد مع
الأيام... يصعب عليّ أحيانا الفهم، فأصاب بإعياء غريب فيه نشوة وخوف وغيبوبة... لكني
أحسست مع مرور الأيام أنني أفقد المحدودية الفرديّة... وإذا القلب يهفو إلى عوالم
غير واضحة المعالم والصور...
لست أدري كيف حدث
ذلك... المهم هو أن ريم أصبحت تنتشلني من همومي اليومية، أعايش معها العصر... وولجت
معها المعتركات الفنيّة متبعا خطاها المضيئة... فإذا بي أشتعل وأنطلق كالسهم وغاب
ذلك الكسل القاتل الذي عرفته فيما سبق من أعوام...
كانت ريم دوما متحفزة
إلى العمل الجاد، ولا تركن إلى الراحة إلا لاسترجاع القوى... وإذ حدثتها عن
زركويه... اعتراها التعجب والاستغراب... وردّدت الاسم مرارا كأنها تريد حفظه...
ولم أدرك كيف انسقت إلى التفكير فيه... ووجدتني منساقا دون شعور إلى الاهتمام
به... والبحث عنه...
قالت ريم وهي تشير
بطرف خفي إلى الشيخ الذي أخذه النوم على نغمات القطار المتواصلة: "لعلّه
يحلم..." كان منتفخ الأوداج ينزّ منه عرق... والشارب قد خطّة الشيب... ابتسمت
وهمسا قلت...: "جدّي ـــ رغم كبره ـــ ما زال في عنفوانه... كالفحل... ما عرف
المرض..." وواصلت بعد فترة وجيزة: ... "لعلّ ما يخيف أهل الجنوب... قلّة
الماء..."
كانت الشمس قد اعتلت
السماء وأصبحت ترسل أشعتها القويّة فتزداد الحرارة ويحسّ الإنسان بالكابوس...
ولولا نسيم رقيق لفقد التنفّس...
والتفتت ريم إليّ
مستفهمة: "أظن أن زركويه رجل وجد فعلا..."
كانت تتكلم بخفوت...
فرمقتها بإمعان عليّ أسبر أغوارها... فصمتت وراحت تتأمل السراب البعيد الذي بدأ
لنا كالبحر ولا أشرعة...
ووجدتني منطويا على
نفسي استجمع شتات أفكاري المتضاربة، أرى ولا أرى إنّما هي الأحلام تتماوج... كأني
أنشد الهروب إلى الزمن الدامي.... عشوائية هي ملامح الآتي..... و كيف كان ما كان،
وبم أفسر هذه العودة التي كانت مجرّد رغبة تنازع نفسي، حتى صارت وهما يطاردني...
وقد دفعتني ريم إلى تحقيقها...
تنتابنا أحاسيس من حين
لآخر كرغبة لا غير، ثم تتعاظم الرغبة وتلحّ فتصبح أملا ممكنا ثم تتوطّد وتسلك
طريقها تدريجيّا لتقف أمامك كالقدر فتأخذ اللب وتدعوك للضرب في الصحاري البعيدة. و
الغريب أن هذه الرغبة نازعت ريم أيضا... فاحتوتها وأصبحت هوسا يلمّ بها... وكما
دفعتني ريم دوما إلى دنيا الليل والحركيّة، استدرجتني إلى تحقيق هذه الرغبة... وهي
البحث عن التاريخ الضائع...
إن أي بحث فريد، ينبثق
عن رؤية منطلق محدّد للأشياء... يبدو مدعاة للتساؤل والاستفهام... ومن ثم يتحتم
على الدارس إيجاد أرضيّة صلبة للعمل كما تقول ريم... وعندما أفتكر وحيدا، أجد هذه
الرغبة جنونا يدعوني، للجري وراء سراب هو كالمتاهة...
والحق يقال إن هذه
الرغبة كانت بداخلي منذ القديم، لكنها كانت غائبة حاضرة، لا أجرؤ على وضعها حيز
التنفيذ... وكشفها علانية... وهل بإمكان الإنسان أن ينطلق من مجرد اسم ليفكك
الرموز والمدلولات لتاريخ... كاد يندثر...
لست أدري ما الذي غيّر
سحنتي ـــ حسب قولة ريم ـــ إذ كنّا نسمر مع عصام الشلبي ونوال العشيري وأحمد
سلاّمي، في إحدى الملاهي الليلية عندما دعتني ريم برزكويه... رمقني الجميع... وبدت
لي الدنيا في ثوب جديد... هذه الألوان الزاهية وهذه الأوجه الصبوحة التي تتراقص
أمامي، تبتعد تتقارب تتجاذب متبعة موسيقي هادئة تنساب كالرذاذ... نظرت في عيني ريم
فإذا هي تضحك في صخب طفولي وتقول: "وراء عدلي... تاريخ..." ثمّ دعتني
إلى الرقص... أمسكتها بيد مضرجة بحبّ المجهول. وانغمست في المدّ والجزر كأني
الربّان الماهر... وقالت تحدثني عن لواعجها وميلها المسرف للمجهول: "لعلّي
سأموت في صحراء القيظ..." ضحكت، وخاطبتها بكلام دافئ وأنا ألفّ يدي حواليها
متبعا نفحات الموسيقى السارية في الدماء... وضعت رأسها على صدري... وراحت في
إغفاءة... كانت تبكي في أناة... لعلّه الحنين... والموسيقى تستهوي... و إذا الفراش
يموج كالبحر، والسفينة تتماوج في رفق تتهادى باحثة عن الأفق الضائع الذي ما وصل
إليه إنسان... قلت في نفسي: "هو الحلم... والذوبان..." أفقت، كانت
تتلاعب بشعري البربري... في تلك الليلة حدثتني كثيرا، بطلاقة، حدثتني عن حياتها
السالفة وكيفية الخلق والبعث والولادة... لعلّه الاعتراف.
قالت: "أميل إلى
المجهول، أحنّ إلى شيء بعيد... أتنسم هواه وأغفو كلما اقتربت من النبع..."
كنّا متعبين ونحن عائدان... لقد شربنا وتحادثنا حديثا لولبيا متواصل الحلقات كأنها
ومضات البوح والإخلاص منذ الصغر وهي تهفو إلى شيء غير معلوم... لقد درست الأديان
ومارست كلّ الفلسفات واستوعبتها... ولما زرتها أوّل مرّة... أرتني المكتبة التي
حوت من الكتب ما يدهش... تفرست في كلّ شيء... التوهُ بعينه وهذه الصور التي تكاد
تنطق وهذا النظام... وكانت تستمع إلى ملاحظاتي بدقة وإعجاب... أمسكت بيدي تجوب بي
في الأروقة... لم أفق إلاّ وأمّها الاسبانيّة المظهر تدعونا للعشاء... رمقتني
عندئذ وفي وجهها انتشاء غريب... ومسحة كآبة شفافة تكاد لا ترى... وبعد الأكل جلسنا
في الشرفة نرقب الظلام والقمر الطالع... هل هو البحر الهاجد أم هي دفقات الذوبان
التي تجتاح... وأين الصفاء الأزلي والوضوح التام... تذكرت ما قاله أبو ريم ونحن
نركب البحر في اتجاه الشمال: "استقصاء الحقيقة هي المطمح... المعرفة تعمّق
وإجهاد...". كان يقول ذلك وهو يبتسم كأنه يتخيل أيام الشباب عندما كان يعتلي
جبال الآلب بحثا عن الرؤية الصفاء... كان البياض هو السيد... يقول: "أغيب في
البياض ولا أرى إلاّ الأشباح... وعند الجلاء يرتفع بك سحر غريب إلى أجواء ما كشفت وما
رآها إنسان..."
أبو ريم شخص متميز عاش
تقلبات العصر وحروبه... وهو أب ذكي يطلق الحرية لوحيدته بعد أن وضح أن الدنيا صراع
ومكافحة وتأكيد للذات... وقد اكتفي دوما بدور المنبّه... كان يقول: "لا تقل
للطفل لا تفعل... كذا... أتركه يصارع وحيدا... فلن تتكرر الأخطاء أبدا...".
كنت أشعر بجذوة الأبوية التي يحملها نحوي... بل نحو العالم...
كان كأس الشاي أمامي،
ويم تدعوني، وهي تترشف، لكي أرمق الأبعاد أرمق الظلام... وفي عيني ريم ابتسام وحبّ
وصدق...
وقدمت
"أمينة" أم ريم، جلست كعادتها بجانبي... كانت هادئة التقاسيم عذبة
الملامح... أوّل مرّة عرفتها كانت ليلة الحفل البهيج، قدمتني ريم لها، كأعزّ
صديق... أحسست وأمّ ريم تقبلني أن العالم قد فتح أمامي أدغالا وغابات... إنّي
مطوّق، أطير في سماء عبر عبير طيّب لبخور صيني أثناء حفلات هستيرية... أغيب
لأصحو... قالت ريم: "إن الموسيقى ترويح واستدراج إلى المجهول بحثا عن الدفء
والراحة والمعرفة... هي انغماس في الأعماق..." كان الليل بديعا... والكون
موسيقى جذلى... وبرزت خديجة كالنبع الممطر فوق الحشائش وهي مستلقية، رأسها على
صدري تستمع إلى الدفقات المتتالية للدماء كأنها تصيخ السمع إلى الوشوشات والعصافير
التائهة بين الأغصان، الباحثة عن أعشاشها في مرح وحبور...
خديجة تعشق الموسيقى
الكونية السارية مع الريح والأوراق والأنهار، كنّا لا نتكلم كأنما خلقنا للسماع
والاستمتاع والتأمل... خديجة... النبع الذي كان... هل السماء أرسلتك عنوة أم أنت
إعداد لمسار عظيم، هل الصحراء ستفرق بيننا أم الكون في صوغه ينحو نحو المجهول وما
هذا الشوق الذي يومض في عينيك وأنت تودعينني... كأني ذاهب ولن أعود... هل أنا
التائه وسط هذه الجبال و الغابات والشموس والأقمار أم هو الفراغ... و ها منك انطلق
كالسهم، أراك وأنا وحيد، تنفجرين فجأة أمامي، فإذا أنت زيتونية العينين، زاهية
الوجه... فيأخذني المرح الذي طالما حننت إليه... فأغفو... قليلة الكلام أنت،
تستوعبينني بيسر لكن... ما لك وريم... كيف امتزجت بها... أنتما شيء واحد... حتى
أني لا أكاد أصدق... هل هي الصدفة أيضا أم الدنيا نسير نحو الجنون... أم هو العالم
يتبع تخطيطا محكما... تعاودني كلمات أبي في خفوت لكني أواصل السير إلى أمام... وفي
البعيد شبح يستهوي، أقترب فيبتعد ليختفي ثمّ يبرز من جديد... فألحق به... لكنه
يهرب لكي يختفي... هو الجري والبحث... وريم ترمقني هازجة بأغنية طفوليّة يسيل
العذاب من عينيها... يهفو لها القلب... و إذا القطار يواصل سيره على وتيرة واحدة
ممّلة... يعبر حقول الشيح و العرار... فنتنسم العبير الرقيق... سيصل القطار... بعد
أن يعبر النهر الكبير...
مضى يومان ونحن في
"العريش"، كان استقبالنا بسيطا للغاية.
لم يكن أحد ينتظر
مجيئي فجأة في هذا الفصل... كانت الأشجار المخضّرة حبلى، و ريم ترمق الكلّ بعين
ثاقبة حالمة كأنها تبحث عن شيء تحسّه ولا تراه... ولعلّها تودّ اختزان الصور
لهذا الريف المترامي... لقد هرع الصبيان إلينا ونحن نتبع المسار المحاذي للنهر
الصغير... وسرعان ما سرى الخبر، فاجتمع الأقرباء... حتى "عم عبد الغني
الفالح" جاء من أقصى البلدة حاملا معه "الزقوقو" والورود... وقد
شعرت بنوع من الحرج و هم يرون "ريم"... لقد خفّت تلك التلقائيّة
والحدّة، واكتفى الشيوخ بمصافحتها، أمّا هي فقد قبّلت أبي وجدّي وأمّي كما قبّلت
أختي الصغيرة وحملتها بين ذراعيها ضاحكة باسمة مناغية... كان الحرج باديا على
الوجوه، والعيون ترتدّ عنها باحتشام كبير...
تلك الليلة سهرنا في
"الزريبة"، في فناء البيت، وسألني "الشيخ عبد الحكيم" عن
الدراسة والعاصمة والحكومة. وسأل جدّي "ريم" عن أبيها وحياتها في
العاصمة... أمّا أبي فتفنّن في تصوير أيّامه هناك إبّان دراسته وعودته المبكرة إلى
الأرض بعد أن أفلس في التجارة. وأكّد أنّ المآل الأخير لأهل القرية هي الأرض...
وكما قال زركويه "لا مناص من العودة..." أظن أن ما قاله أبي كان الفلسفة
الوحيدة للبلدة... إنّ ضنك العيش وقلة الماء وأعوام الجوع والتعب المتواصل لا تبعث
في نفسيّة الفلاح إلا استماتة وصبرا ومواصلة للكدح والعمل... وكان "الشيخ
حامد العرباوي" صامتا يداعب مسبحته الخضراء التي أهداها له "الحاج
البكاري" إثر عودته من الحج... لاحظت في وجهه شحوبا وأحسست بنفسي ألج ممّرا
ضيّقا لا أنفاس فيه، أهيم بين نارين... فما العمل والناقوس ينفجر في رأسي مختلطا
بدبيب القطار والرياح الشتائية لا تني عن العصف... وأين أنت يا من أعللتني كأنّك
تأخذين منّي ثأرا قديما... أنا منك ولا مهرب والنسيم رائق هذه الليلة... لعلّه
يحكي الزمن الذي قالت ريم بتلقائية: "ما أعذب هذا العيش..." ثمّ بعد صمت
قصير...: "تصوّر يا مصطفي... أنا أرى الأشياء بمنظار جديد..." ولعلّها
لم تستطع أن توضّح أكثر فصمتت...
وقالت أبي مخاطبا أمّي
وقد رأى "ريم" تتفنن في معايشة الواقع الريفي...: "هي ريفيّة
محضة..." وأضاف: "تعرف من عاداتنا الكثير..."
و في لهجة اعتراف:
ظننتها في البداية رومية الأصل، فإذا هي عربيّة قلبا وقالبا" وأجابته أمّي
ضاحكة: "لم أكن أتصوّر أن يوجد أمثالها في المدن..." أما جدّي فقد قال
وقد عقد حاجبيه: "ذكيّة، وذات قدرة على الحديث العذب..."
قد يظن الجميع أنّها
خطيبتي... أو زوجتي... ولم أقل لهم هذا أو ذاك... ومع ذلك فقد أقر الجميع بأن ريم
قد سارت معي مدّة لا تقدّر من الزمن... ولعلّها رفيقتي إلى الأبد... وخرج الشيخ
العرباوي أبو خديجة من صمته مؤكدا أن ريم ذات أخلاق عالية... لكن أبي استدرك ونحن
على انفراد فتساءل بصدق: "من هي...؟" ضحكت في وجهه وأكدت له بأنها
صديقة... فانبسط وقال وهو يتوجه إلى البئر: "على كلّ... هي تصلح لك..."
قد أكون مخطئا إذ أتيت
في هذا الظرف بالذات، وقد أكون أثرت كوامن دفينة في عقليّة الدّوار... لعلّه البحث
عن المسار التاريخي المليء بالماضي والفواجع والصراعات... الذي دفعني إلى هذا
العباب الكبير بعزيمة ذاتيّة كان لريم أثر في بعثها... وكان أوّل من بثثته رؤاي
جدّي...
كنت متربّعا على أرض
"الحوش" الرطب، وإلى جانبي اتكأت ريم ضاحكة ناعمة عندما قدم جدّي، سلّما
بصوته الجهوري، و اقتعد الأرض رغم إلحاح أميّ عليه للجلوس على الكرسي الصغير...
قال: "الأرض هي الملجأ..." و لمّا قدّم الشاي ترشف ناظرا إلى السماء
وقال" "لقد جئت توّا من الجامع... رأسا إلى هنا لكيّ نتحدث..."
وواصل: "قلت أزوره"... ضحك جدّي ببراءة... لا شك أنّه يودّ أن يستوضح...
ونحن أيضا نريد أن نستوضح ونستوثق، هكذا ومض البرق فينا، ودون شعور قالت ريم وفي
صوتها إحساس بالانبهار والوّجل: "هل وجد زركويه حقّا... لقد أعجبت بهذا الاسم
حتّى أصبح هوسا. أريد أن أعرف الحقيقة....." و كأنما أرتجف جدّي وارتخى، ورغم
أنّ الظلام كان قد حلّ، ونور المصباح لا يفي بالحاجة، فإنني قد تيقنت من الذي حدث
له... أحيانا ننتظر معرفة شيء ما... قد يصدمنا... غير أن الصدمة تكون أعنف وأقوى
وهي مع ذلك مدعاة للانشراح والانبساط... وأهل البلدة دون استثناء حتى الخانجي
العبد الأسود الذي ما عرف انشراحا أو انبساطا منذ أن جاء من بلدته البعيدة...
ينبسطون عند ذكر اسم زركويه... فهو رمز... و مهدئ للأعصاب ومفرج للآلام ومعين في
الملّمات ومؤلف بين القلوب، لم يكن من السهل أن يستوعب جدّي ما قالته ريم... قد لا
يستغرب لو وجهت له أنا السؤال... أما ريم... ريم سليم... أو على الأصح أمال
سليم... الفتاة الذكيّة التي قدمت من بعيد، من البحر والراحة ومقر الحكومة، بلاد
الحركة والليل الدائب... ريم ذات العيون الصافية والأصابع الطويلة... ريم تضع هذا
السؤال... سؤال ما تفوّه به أحد لا لصعوبته... بل لكونه داخل حيز الوجود الذي لا
يناقش... ووجدتني اندفع: "يا جدّي سؤال طاف بنا... ثم نما... وأصبح هوسا
ينتابنا... من زركويه... وما هي حكاياه وتاريخه... وريم تهتمّ بهذه
الأمور..." وأضافت ريم بصوت عميق فيه جهد وتأكيد: "لقد حدثني عدلي
عنه... فجعلني أوقن بوجوده... وأبحث وأجدّ في البحث عن المسار الذي أتبعه...
استند جدّي إلى الحائط
وزاغت عيناه في البعيد كأنه يطير إلى الوراء متحسسا الزمن الدامي... وتكلّم بصوت
عميق كأنّه آت من الأغوار الدافينة... كان يروي حكاية زركويه... أو المسار الذاتي
للرجل الذي غاب كما عاشها جدّنا الأكبر... عيسى المعمور...
مصطفى مدائني