الجمعة، 20 يناير 2017

سنام الجبل: 1
اقتحمني شعور حميمي وأنا انساق عبر الطرق الملتوية. كنت أبحث عنها هناك في أعالي الو هاد المنبسطة أمامي. قيل لي قبل المغادرة إنها في مكان ظليل يوجد في منطقة ليست بالقريبة لكنها أيضا ليست بعيدة كل البعد تصورت وأنا اعرف ذاتي إذا صممت إنها لا تتراجع مهما عمها القنوط لذلك توجهت غربا حيث أنا على علم أنها المكان الذي كثير ا ما تلجأ إليه...وكما حلمت استبد بي حنين كبير إلى صوتها الحنون فانزلقت أجوب الطريق الرابط بين السفح المنفرج والغابة المتعالية وانطلقت في اتجاه ريحها الأليف.... ومن بعيد تنسمتها ولم أفجأ عندما صحت"
يا نسائم الأحبة التي تعطشت نفسي لها .....يا واد أغرقني ببحر عشق قد لا أجرؤ على البوح به أو قد أهرب منه محاولا أن أستنثر بقايا ريحه التي علقت في ركن بعيد من عقلي الباطني حيث لا تطاله يد الإدراك .......نسيم قد يكون بقوة أقوى أفيون يدخلني دائرة النشوة ......قد أخاله أصبح مرض لا أريد أن أشفى منه.....
واندلع في داخلي شجن قوي تسرب تدريجيا وانهمرت في الذات المنفتحة على عالم كاسد نوبة من الحنق الكبير. أهذا أنا ألهج بها وهي تتوارى عني بعيدا. وها همسها الزئبقي يثير في عبرات حرى لم أكن لأقدر قوتها وأنا في هذا المكان الظليل. عندئذ صحت في الذات ألا ترأفين و تنهمري أنشودة صلبة الأواصر واندفعت أغني وأغني ثم انفجرت في داخلي نزوة رقص فارتميت أراقص بلا هوادة. ومن بعيد بدت بادية الرونق منثلة في العراء. فإذا الكون ينغمس في رقصة لا أحلى ولا أطرب. و إستمعت عندئذ لصوت مرح أخاذ هو خليط من الأشجان المتوارفة الأغصان وعمت العالم مسرات كون مشرئب على احتفال دائب بالحياة ...ولما اقتربت مني ولامستني وجدتني في قمة نوم حميمي لا أتورع أن أصمت ولا أتحدث عنه لأنه لا يخص إلا الذات التي تحكيكم. لكنها تخفت عندما تعود إلى ذاتها.... فرفقا بي وبكم وبالعالم المحيط حتى يتماسك ولا يعمه الذوبان والأفول....
وتتوارى بخجل من نظرة أحاول فيها أن أغوص في ذات قد ملكت كل أنغام الغابة بهيجانها وسكونها في سنفونية أخاذة سلبت مني الروح ...أحاول جاهدا أن أجعل نظرتها تعانق نظراتي.... ولكن ذلك الخجل الملائكي قد ردع مني البصر فأغمضت العين تاركا للروح مجالا لسماع أحلى معزوفات قد مرت بالطبيعة حد أن سحر النغمات قد ألهتني بحركة لا إرادية عن إحساسي بالتناسق والتناغم الذي أحسه عادة كلما خرجت إلى الفناء .....ودخلت في حالة لاوعي داخل تلك الروح العطشى غير مبال بمرور الزمن .......
وكانت تلك اللحظات آخر عهدي بسنام الجبل فقد اندمجنا في تجربة لا تزال تعانق الأزل...
 م. مدائني- ه. ج...

نصوص

سنام الجبل: 2
 لم أكن مستعدا... كان أمامي عديد من الخيارات. آه عفوا لم أخبر الجميع أني أنا في زنزانتي هذه، منذ مدة. أقمتها بنفسي فمنذ ما يقارب العقد من السنوات وأنا أعيش بعيدا عن عنت الناس وكذبهم ونفاقهم الذي تعرفونه أكثر مني لكني إرتأيت بصورة فردية أن أحاكم نفسي قبل محاكمتهم، لذلك ارتأيت أن أعيش في هذا المكان النائي بعد أن طوعت نفسي لحياة على غاية من البساطة، أي أن أعيش دون استعمال لما يكدر الذهن والفكر والعقل... أنا إذن، وقد قررت أن أعترف أؤكد للجميع أني في حل من التمويه والخوف والقنوط الذي تعيشونه بامتياز، فقط هي التي تبعتني وإذا بالآمر ينقلب. فماذا أقول وكيف أبدأ وهي التي تعرف القاصي من ذاتي والداني...
قد قيل لي في وقت مضى إن الوقوف أمام المرآة تساعد الشخص في الولوج إلى ذاته ....فتسهل عندها الاعترافات و معرفة الخوافي... وقد تتيح لك أيضا العلاج......
 وقررت في ذلك اليوم أن أتزين جيدا بالعديد من المساحيق ووقفت قبالة المرآة :"آآآآه قالت المرآة.....يا امرأة هل اعتقدت أنك ستختفين وراء هذا القناع أم أنك سعيت لتزينين نفسا قد اختنقت من كثرة الأراجيف....."وبدأت بفحص تلك المرأة.. فالجسد هو الجسد بشعرها المنسدل على كتفيها ذلك الشعر البني ،،والعينين هما ذاتهما تلمعان بتلك السطوة المثيرة والشفتين لم تتغيرا عما عرفها به من اكتناز مخصوص مريب... و كذلك اليدين والصدر والوجه والردفين......فلماذا إذا أحس بالاختلاف .....
لم لا أرتاح لما ستؤول إليه أفكاري وهي تمر في خاطري و ها هي واقفة أمامها أمام المرآة كأنها تتجادل داخليا... ولم أكن لأنسى أني بها متيم،، وأنها معي على الدوام، تعيش في ذهني وتمرح في خاطري وكنت دون إرادة مني أذوب ذوبانا كاملا كلما ذهب بي الكلف بها أي مذهب... وها أهرب منها إليها،،، تماما كما تفعل الفراشة لا تحرك ساكنا أمام العجز الذي تشعر به وهي على قاب قوسين أو أدني من الاحتراق وما ألذه من احتراق...
أي احتراق ؟؟ صرخ ذلك الصوت داخلها هل هو احتراقي في جسد فان يوما ما أنا لا أحسه رغم تلك الخلجات التي تنتابني أحيانا ......هل استطاعت رغم الكثير من الخسائر من الحد من اندفاعه لطريق الحرية ...ولكنها رغم صرامتها تقفز عاجزة أمام هذه الذات التي ترتسم في تلك النظرة التائهة تسبح في أرجاء غرفة باردة ظلماء تنيرها بعض المصابيح الخافتة بجانب المرآة تعطي ذلك الانطباع بالوجود ....فهي ذات شاردة لا تلتزم... وقد حارت في كبحها .....فهي تصور أحيانا فكرة مجنونة تعتقها من دائرة الغرفة الجوفاء... وأحيانا أخرى تحزن لحال جسد حبس نفسه اختياريا في قوقعة في ركن وسط عالم هو الخبال عينه تلك... فتراها تنعم به،، لا تريد مغادرته......
والآن وقد انفرط العقد وتبدت أشياء على الحقيقة لا على المجاز،،، وانبرت أمامنا الخيارات المتنوعة فأنا أقر حتما أني على يقين مما أنا فيه واني مطالب بأن أستريح في هذه الوهاد حيث تستقيم الحياة في صورتها المثلى،،، أعني العيش دون خيال مجنح وإنما ألتقم الحياة على علاتها و أوصابها وجبروتها وأيضا في خفتها وجمالها ورونقها،،، فهل تتبعونني... أنا على علم أنه لا خيار لكم غير مساري ولا مطلب لكم إلا منهجي ....و المؤكد أنها تنتظرني في أنفة وقوة وصبر ..
وعندما تعبت  من التفكير،،، شخصت عينها إلى تلك المرآة و تأكدت من أنها امرأة نعم ......بذلك الشعر الطويل وذلك الجسد الندي البهي الطروب...
هي امرأة ولكنها ليست ككل النساء... فذاتها متعلقة بين أرض وسماء ....هي ذات من صدق  حبرت ما كتبت ومن صفاء خطت خيوطا على غاية الرقة والنقاء و هي ذات متمسكة بما وجدت مهما اعترفت المرآة و أوحت..
وإذ استراحت فيما ارتأت باغتها سؤال عجيب هل أنا أنا أم أنا الأخرى تلك التي تبدو أمامي في طفولتها تسير الهوينى وسط شارع مزدحم... لكنها مصممة على السير قدما متلبسة بالحياة مخلصة لوجهتها... وهي الآن تقف هنا،،، تحاسب صورة لا تعرف فعلا هل هي الصورة ذاتها التي تعكسها الذات المتمردة الصائحة في صمت والساكنة في صراخ عميق... وفجأة تفجرت المرآة أمامها وسقطت في فوهة بئر وكأنها استمعت لصوت ارتطام شديد،،، وامحى المشهد كاملا ولم يبق إلا ذلك الإطار المطاطي فولجته متأبطة ثقتها وإرادتها.... وذاك كان آخر عهدها بسواء السبيل.....
 م.مدائني- ه. ج.

الثلاثاء، 17 يناير 2017

الكتاب بين الإبداع والسلطة : نهاية المثقف : الممكن والممتنع...

الموضوع المطروح هو: الكتاب بين الإبداع والسلطة... ومقترحنا هو: نهاية المثقف: الممكن والممتنع... ولن نحصر دراستنا حول الثقافة العربية وإنما سننفتح على ما هو عالمي ومما لا شك فيه أن المقصد من هذا العنوان هو تحديد نهاية المثقف والنهاية هنا تفهم من جهتين على الأقل:
 - النهاية بمعنى المنتهى والموت والاندثار 
- النهاية بمعنى المقصد الغاية... المبتغى...
 ومن ثم نؤكد منذ البداية أننا لا نذهب إلى القول بأن دور المثقف انتهى وإنما هدفنا تحديد هذا الدور من خلال سبر مسارات وسِيَر لمواقف توجهات أدباء مبدعين وعلماء...
 واني استسمح الأستاذ عبد الإله بلقزيز الذي استعرت عنوان مؤلفه الموسوم بـ "نهاية الداعية : الممكن والممتنع في أدوار المثقفين..." وقد هدف بالأساس إلى بيان واقعنا المعاصر وما فيه من رؤى حديثة أنتجها المجتمع الحديث خاصة في ميدان المعلوماتية...
وسيقوم بحثنا على:
- مبحث أول: عنترة: مرحلة تأسيسية ...
- مبحث ثاني: بين محمد السنوسي و إيميل زولا
 - مبحث ثالث: تجارب معاصرة: طه حسين / توفيق الحكيم / سكنر / ستيفان جاي كلود.
ونختم بالإجابة عن السؤال: هل من دور لمثقف اليوم!؟
البحـث الأول: الدور التأسيسي للمثقف
 مما لا شك فيه أن الدور التأسيسي لا يأتي إلا في لحظات الزخم المعرفي الكبير الذي تعيشه الأمم وتتلقاه وتندفع إليه وتدعمه. وهدفنا هو إبراز تجربة عنترة وما أفرزته من رؤى عميقة هي دلالة لبروز الحضارة العربية الإسلامية. فعنترة شاعر صاحب معلقة، لكن المخيلة الجماعية أنتجت في القرن الثالث للهجرة سيرة لهذا الشاعر ونحن ولو اتبعنا هذه السيرة لوجدناه يقوم على طرفين أو مسارين:
- مسار الفارس
- مسار الشاعر
 إلا أنها في الأخير تجمع بينهما طريقة تدعم في الحقيقة رؤية ما لما يحمله الشاعر من قدرة في حسم الكلام والنصر في الميدان.
نسبت سيرة عنترة إلى الأصمعي وهو عبد الملك بن قريب المتوفى في مطلع القرن 33هـ ومنذ البداية نلحظ كما تعرفون جميعا أن عنترة هو الوحيد من بين أصحاب المعلقات الذي لم يكن سيدا في قومه من مبتدأ أمره، فقد كان أحد العبيد السود الذين ينسبون إلى أمهاتهم فهو ابن زبيبة الجارية الحبشية، وغراب من أغربه العرب وهو العبد الأسود {الزنيم.. أي غير بين النسب}. إلا أنه بفروسيته ومثاليته تمكن من فرض نفسه على الميدان. وثم على المجتمع، فحصل على حريته إلى حد اعتراف شداد سيد بني عبس به بل إن ابنة عمه عبلة جميلة الجميلات أحبته وبادلته العشق. فقد أصبح عنترة من الفرسان بل انه كما تقول السيرة هزم بفوارسه قائد الفرس رستم. رغم أن الزمن غير الزمن كما أصبحت امه زبيبة أميرة الأميرات وشريفة الشريفات خاصة بعد ان اكتشفت نسبها الذي يرجعها الى جدها حام بن سام
يقول عنترة: وأنا المجرب في المواقف كلها من ال عبس منصبي وفعالي
منهم أبي شداد أكرم والد والأم من حام فهم أخوالي
وانا المنية حين تستجر القنا والطعن مني سابق الاجال
والملحوظ أن عنترة وفق السيرة كان يميل إلى ذلك التواضع الكبير الذي يأنف بواسطته  عن الجليل من صغائرالأمور لذلك كان ممن يقدس الكلمة وبخاصة الشعراء أصحاب المعلقات وكان في داخله ينمو ذلك التوق إلى أن يكون من زمرة فطاحل المبدعين وقد استفزه احدهم يوما والناس في سوق عكاظ ان يأتي بمثل ما أتى به، فارتجل عنترة أبياتا لاقت الاستحسان الكبير. ومن ثم نما فيه التوق إلى أن صار مأربا لا يقل أهمية. فبدأ نظم الشعر وارتجاله. ثم نما ذلك التوق إلى السعي إلى مغالبة الشعراء السابقين وعبر عن ذلك صراحة فأقيمت له الاختبارات خاصة بعد أن أعلن عنترة واقسم بالله المتعالي أن لا يقرب عبلة في ليل أو نهار حتى يبلغ ما اختار ص 52 ويعلق قصيده على البيت الحرام لتسجد لها العرب في كل عام ويجعل من المعلقات الست سبعا إلى التمام والكمال. وقد كان لعبلة حق الاختيار فأفرزت القصيد الذي سيصبح المعلقة السابعة: 
"هل غادر الشعراء من متردم أم هل عرفت الدار بعد توهم"
 وتصف السيرة الاختبارات العجيبة التي مر بها البطل والمعارك المهلكة التي خاضها والقدرات الخارقة التي أبداها ليبلغ مراده وينتزع الاعتراف به. ويتم تنصيبه سابقا على الشعراء وعلى رأسهم شعراء المعلقات : طرفة بن العبد البكري، عمرو بن كلثوم الثعلبي، امرؤ القيس بن الحجر الكندي، زهير بن أبي سلمى المزني، لبيد بن ربيعة العامري، الأعشى بن ميمون الأسدي...ولم تتم له الغلبة إلا بالتفوق بالإبداع والارتجال معا ذلك أنه أقر على نفسه أن يسود الشعر بلا منازع. فانتصر على الجميع في باب البديهة وارتجال الجواب بما تحار فيه الآلباب. وقد جمع صاحب السيرة كل الشعراء رغم تباعدهم في أحقاب التاريخ وذلك ليدعم سيادة الشاعر لكي تعلق قصيدة المعلقة على جدران الكعبة لتصبح مزارا تسجد له الرقاب وتستمع إليه الآذان وتقتات منه الأفئدة والوجدان وتتزود به الأذهان.
 إننا مع عنترة نتأكد لنا الرؤية القائلة " كلما تطورت الحضارات ثم برزت ضمنها رؤية نوعية مخصوصة يتجه الاعتقاد أن النفس الإبداعي يكون عاما فتنهض الحضارة وتتقوى. فكأن عنترة صورة لما ستؤول إليه الحضارة العربية من تطور متصل مع الرسالة المحمدية ... إنه عنصر التأسيس الذي يكون فيه المبدع ماسك بحقيقة المجتمع فيه ينغمس واليه يعود بالتصوير والتشكيل والإبداع.
 وإن كان الأمر مع عنترة جمعا بين السيف والقلم فأننا نجد الأمر يتكرر بصورة أخرى. فإذا صورة السلطة (السيف) والقلم تختلف ويمسي كل واحد منهما يسعى إلى السيطرة ودون مزيد التحليل ندعوكم إلى فقه ألف ليلة وليلة وكذلك – كتاب كليلة ودمنة- وأيضا عمورية أبي تمام:
السيف اصدق أنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
بيض الصفائح لاسود الصحائف في متونهن جلاء الشكّ والريّب
والعلم في شهب الرماح لامعة بين الخمسين لافي السبعة الشهب
ولعلنا إذا انتقلنا مباشرة إلى تاريخنا المعاصر يمكن أن ندقق النظر أكثر بواسطة متابعة علمين هامين كتبا في نفس الفترة ولكن برؤى مختلفة كل الاختلاف الأولى مؤسسة والثاني مقلدة ، باحثة، متسائلة.
البحـث الثانــي: بين j ‘accuse واستطلاعات باريسية
لم يكن عنترة - شاعرا أو فارسا - مجرد تجسيد للجمع بين السلطة والإبداع وإنما كان أيضا مساهما بوعي منه أو بغير وعي في تطور الحضارة العربية بواسطة ما عرفته القبائل العربية عن تلاحم وتقارب وتوافق حد الوصول إلى الرسالة المحمدية. وقد جاءت السيرة استذكارا لذلك المجهود الدقيق حيث التقى القلم والسيف في توافق و انسجام كبيرين...
ورغم البعد الزمني لعنترة فإننا - بِجمعنا بين Zola والشيخ محمد السنوسي  - لا نهدف إلى إبراز ما عرفه العالم من تغير وفق تطور حضاري طبيعي سارت فيه الأمور إلى ما سنوضحه. فقد يبدو الجمع في مقال مهما كان نوعه/موضوعه من باب الغرابة إلا أننا نؤكد أن الجمع كان لسببين:
الأول تاريخي : فالحقبة التي نتحدث عنها هي العقد ين الأخيرين من القرن التاسع عشر، 
والثاني : يتمثل في الحديث عن مفهوم العدالة ودور السلطة والمثقف فيها.
وقد ارتأينا أن نقارن بين مواقف، اتخذها كل من Zola والسنوسي، في مواضيع معاصرة لهما...
يعلم الجميع أن Zola قد عرف بدفاعه عن العدالة في قضية الضابط الفرنسي Dreyfus الذي اتهم وحوكم كجاسوس وهو اليهودي الالجاسي يتعامل مع الملحق العسكري الألماني بفرنسا في أواسط العقد التاسع من القرن 19 وبالضبط سنة 1894. وقد نشر Zola مقاله j’accuse "أتهم" في جريدة L’aurore يوم 13 جانفي 1898 في صيغة رسالة إلى رئيس الجمهورية Félix Faure .
وجاء هذا المقال نتيجة شعور الكاتب بالضيم وفقدان العدالة في هذه القضية خاصة أن الجاني الحقيقي - Wilson Estherazy - وقع إطلاق سراحه إبان الجلسة التي أقامها المجلس العسكري يوم 11 جانفي 1898 أي قبل ظهور المقال بيومين. وقد كان Zola ينوي نشر المقال بجريدة Le figaro إلا أن مديرها وأسرة تحريرها عبرت عن عدم استعدادها لتحمل تبعات المقال في حين رحب Clemenceau بالمقال وأودعه الصفحة الأولى من صحيفته وقد عرفت الجريدة إقلاعا منقطع النظير فقد كان معدل البيع والتوزيع فيما بين ، 20 ألف و30 ألف فأصبح يناهز300 ألف نسخة.
إن Zola الذي كان ينتظر الترشح للأكاديمية الفرنسية في تلك الفترة وجد نفسه مدفوعا إلى التعبير عن ثورته العارمة. فالعدالة في نظره انتهكت من أعلى سلطة ورغم معرفته بقانون الصحافة الصادر بتاريخ 29 جويلية 1881 إلا انه أبى ألا يعبر عن سخطه الشديد.... واضعا نصب عينيه ذلك الظلم القاتل الذي أودى برجل بريء إلى الحكم المؤبد بالأشغال الشاقة في نوفيل كالدوني دي كيان في جزيرة الشيطان كما يقال(وهو السجن الذي وجد فيه ثوار الجزائر في تلك الفترة...) وقد أحيل Zola في فيفري من نفس السنة إلى المحاكمة أدت به في الأخير إلى اللجوء إلى انكلترة هروبا من الواقع المتردي الذي أصبح يسم الحياة في فرنسا. وهذا ما نجد صداه جليا في ثنايا سيرة Zola ، من خلال كتاب طريف ألفه Armand Lanous و Stellio Lorenzi بعنوان" Zola et la conscience humaine" "زولا أو الضمير الإنساني".
وكان من فضل هذا المقال وما م تلاه من محاكمات وما تبعه من أحداث إعادة النظر في قضية  Dreyfus الذي وقعت تبرئته أولا بطريقة سلسلة من داخل الجيش ثم بطريقة علنية فيما بعد. وهو نفس ما حصل للكاتب الذي دعا السلطة إلى إقامة العدل والحكم بالحياد ومحاسبة المجرمين الحقيقيين، رغم ما عرفه الشارع في تلك الفترة من صخب وهرطقه لا تغنى ولا تسمن من عدالة مطلوبة...ما فتئ زولا يدعو إليها ....ويكفي أن نذكر أنه واصل الكتابة بالجريدة. فاصدر كتابه Fécondité كناية عما يؤمن به من قدرة الإنسان على العطاء والدفاع ألا مشروط عن حقوق الإنسان ...إلا أنه يجب أن نذكر أن الشارع لم يرحم Zola لذلك توفي الرجل في 29 سبتمبر 1902 ويقال أن أحد السكيرين قام بسد فوهة المدخنة فاختنق هو وزوجته في ليلة شتائية. .. إلا أن السلطة الفرنسية أرسلت له إبان التأبين الوسام الأكبر ...كما دخل Zola متحف Panthéon ليستقر فيه معية رجال فرنسا العظماء في 4 جوان 1908 إلى جانب Rousseau, Montesquieu, Voltaire ....الخ
 إن الروائي زولا وهو من أصل ايطالي استقر في باريس وانغمس في وطنيته وفي دفاعه المستميت على الجمهورية وفق ما رأينا آنفا، أما الشيخ محمد السنوسي فقد تكوّن بجامع الزيتونة على إعلام مصلحين: سالم بوحاجب، صالح بن فرحات، صالح النيفر، محمود قابادو تحصل على التطويع وانتمى لهيئة التدريس بالجامع. ثم وقع اختياره مستشارا لتعليم الجنرال حسين له معلما للشاب الأمير محمد الناصر بن محمد باي...وبذلك تكونت له علاقات لعل أبرزها معرفته للشيخ محمد بيرم الخامس الذي كان له تأثير بالغ فيه خاصة في المجال الصحفي، فكان محررا بالرائد التونسي كما انه كان كاتبا بجمعية الأوقاف، وقد واصل عمله معية خير الدين في الرائد بل انه واصل ذلك حتى بعد خروج المصلح خير الدين.
إلا أن الشيخ – وان كان ذا أبعاد إصلاحية تنهج منهجا وسطا - وجد نفسه إبان الحماية سنة 1881 مجبرا على النأي بنفسه. وهو ما دفع به إلى طلب الإذن للحج ...وكغيره من المفكرين وجد في ذلك متنفسا فزار الإستانة ثم سوريا ثم جدة وأدى مناسك الحج ثم بعد قلق ومشاق ارتأى العودة إلى تونس سنة 1883. وبشكل ما ساهم بصورة جدية في ضرب من المقاومة خاصة سنة 1885 (3 مارس) بحركة احتجاجية ضد الإجراءات البلدية التي اتخذتها السلطة الفرنسية. فتكونت مواكب في المرسى أمام قصر الباي ... وقد اتخذ المقيم العام آنذاك بول كامبون بعض الأوامر. فالقي القبض على الشيخ في ماي 1885 وعزل من الكتابة (جمعية الأوقاف) ونفي إلى قابس. وقد وقع تفتيش منزله وحجزت أوراقه لأنه هو المعبر عن تلك الرسائل الاحتجاجية ... وكأن الشيخ لم يتحمل ذلك، ويبدو انه طلب العفو مع قادة آخرين، وقد عاد إلى سالف نشاطه ولكن برؤية أخرى. ومن ثمة طلب زيارة فرنسا، فدعي إلى حضور معرض باريس سنة 1889 (أوت) وهو ما دفع الشيخ إلى كتابة: الاستطلاعات الباريسية (نشر سنة 1892) وهو الكتاب الذي نودّ العودة إليه في موقعين هامين: - نسجل في البداية الموقف الذي اتخذه الرجل إبان الاحتلال وقيام الحماية سنة 1881 وهو موقف سجله معية بعض الزعماء ممن حاولوا مدافعة البلدية حينما أقرت الإجراءات المتعلقة بالتسجيل العقاري وما فيه من مسّ واضح بحياة السكان خاصة بالعاصمة. وساهم الرجل في هذه المدافعة بمجهود يذكر فيشكر...
إلا أننا نجد له مواقف أخرى يمكن لكل منا أن ينظر إليها بمنظوره الخاص. وننطلق من موقف أول يتعلق بطائفة من مسلمي الجزائر. وقد حضر الشيخ محاكمتهم وقدم لنا الصورة التالية حيث وصف المحاكمة كما يلي:" أهم ما وقع....هو انه قام احد الأعضاء في محل الخطابة فطلب إطلاق طائفة من مسلمي الجزائر وقع سجنهم سجنا سياسيا في مكان يقال له: نوفيل كالدوني دي كيان منذ سنة 1871 حين تحركوا مع محي الدين باشا بن الأمير عبد القادر الجزائري ودافع عنهم ذلك الخطيب دفاعا استحسنه أكثر المجلس وصفقوا لأكثر فصوله. ولكنه لمّا نزل قام آخر مضادّ له محتجا لإبقائهم بما أنكره عليه أكثرهم وصاحوا به وأسكتوه وآل الأمر إلى أن نزل غير مسموع الرأي . فصعد آخر وانتصر للأول وبرهن على محا سن العرب وصدقهم بما استحسنوه. وإذن الرئيس بالاقتراع على الرأي الراجح فكانت أغلبيتهم على إطلاق أولئك المساكين في عيد الجمهورية بعد يومين. وكان لهذا القرار أعظم موقع في نفسي وتجدد لي بذلك برهان على ما للحرية من الفوائد التي تفي بالحقوق غير مقتصرة على جنس أو ملة وبلغ من أمرها أنها تصل العرب المسجونين في كيان سجنا سياسيا ، ولا يمكن لهم أن يجدوا مدافعا لهم من جنسهم إن لم نقل إنهم ربما لا يجدون منهم إلا من يكون أضر عليهم ممن سواهم. ولا أعطى على ذلك برهانا أكثر من الحال... وهنا أكبح عنان قلمي عن شرح يخجل الجنس ويمنع منه كرم النفس...ومن لاحظ أحوال الدول ورجالها علم أن عظمة صيتها لا تحصل إلا بالعدل والعفو..." ص 22
يتضح لقارئ استطلاعات السنوسي انه أمام شيخ صدمته الحياة الواقعية صدمة قوية جرب خلالها مرارة الفعل السياسي في وضع كانت فيه تونس وسائر البلدان العربية الإسلامية والعالم الثالث ترزح تحت الأفات الثلاثة: الجهل، الفقر، المرض مما جعلها تحت طائلة الاستعمار. ولا شك أن الحساسية التي يتمتع بها الشيخ مكنته من أن يكون واقعيا فأراد بزيارته وحضوره لمعرض باريس المعرض العالمي لدولة قوية تعتبر فائدة للحضارة الإنسانية أراد أن يعرف السبب الرئيسي لتقدم الأمم وخاصة الأمة الفرنسية فلماذا تقدمت. وكيف تمكنت أن تنهض في جميع المجالات...وكأنما بإيراده لهذه المحاكمة أن يسبر أغوار المجتمع الفرنسي فوصفه بإعماله لا بأقواله ، بحضارته لا بما يقال عنه – إننا أمام شيخ بهرته الحضارة حضارة فرنسا التي لاحظ – بوعي منه أو دونه- إنها اتخذت من العلم نبراسا ومن العدالة طريقة في الحياة....كما نلحظ انه لم يكن على وعي بمعنى الوطنية ودفاع الشعوب عن أوطانها ولكننا أيضا نلحظ بواسطة تلك الجملة التي وردت وكأنها اعترضيه..." وهنا اكبح عنان قلمي عن شرح يخجل الجنس ويمنع منه كريه النفس..." أن الرجل بدأ يتحسس هذا المفهوم الذي طرأ على نفسيته دون وعي منه. ثم تطرق إلى عظمة الأمم أنها تقاس بما لها من عدالة وعفو ...نلحظ انه قد يكون تفطن إلى ما يقره الفرنسيون ضمنا بدور المناضلين في الدفاع عن شعوبهم، ففرنسا اتخذت قرار الإفراج بعد أن استتب لها الأمر في تونس. كما كان قد استتب لها من قبل 50 سنة في الجزائر ...وكأننا بالشيخ بحديثه عن نقد الانجليز لفرنسا عندما أضرموا النار على أفواه الكهوف التي لجأ لها العرب كي يميتوهم خنقا، كما نقد الفرنسيون الانجليز إذ جمعوا الهنود الثائرين في صف واحد وأطلقوا الرصاص دفعة واحدة ثم جمعوهم بعضهم فوق بعض وأضرموا النار حتى لا يبقى منهم حي...". أن الشيخ أورد هذه الأحداث دون أن يعلق عليها. لكننا نعلم أن هذا العمل في تلك الفترة له قيمة هامة، فالرجل لم يكن يقصد إلا فهم الواقع العالمي، وقد استوعب الدرس إذ تفطن إلى أن العالم العربي والإسلامي لا بد له من أن يعود إلى العدالة وبها تؤسس الأمم قوتها، وبها ينمو العمران...ومرد كل ذلك المعرفة والعلم، وهي ما حاول سبره في هذا الكتاب الذي نعتبره بحق دراسة تويوغرافية لفرنسا وهي في أوج عزتها...
 وقد أورد الشيخ حدثا عايشه، ويكفي أن نعلن انه استطاع أن يسوغه رغم ما فيه من مخاطر. فقد وصف عملية اغتيال الرئيس الفرنسي إبان توجهه إلى قصر المعرض ..."كان المحفل مقدما إذ أطلق رجل عيارة نارية على رئيس الجمهورية وقد كاد أن يماسسه فوقفت العربة في الحين واخترقت الزحمة صفوف الضابطية. فنظر الرئيس من الباب فقيل له انه قد أطلق النار عليه عيارة نارية ونؤدي ببقاء الجمهورية، فقامت الغوغاء وتبسم الرئيس لهذه الواقعة. واستمر الموكب على سيره والناس لاهجة به والقي القبض على الجاني وسير به إلى مركز الضبطية ليجرى عليه الاستنطاق. وكان ما انتجه البحث والسؤال أن ذلك الشقي المدعو أجان بران إنما عمد إلى هذه الفعلة لسوء حظه وشقاوته وعدم إمكانه الحصول على حق طالما طلبه من أولي الأمر ... ص158
إن الشيخ وقد اخذ على عاتقه ضربا من التوثيق وجد نفسه مدفوعا إلى وصف حالة الجمهورية الفرنسية  التي أصبحت أواخر القرن التاسع عشر قلب الدنيا. فهي أم الحضارات ولعل المعرض الذي أقامته ووصفه الشيخ وصفا على غاية من الدقة كان له هدف وحيد هو فهم كيفية تقدم الغرب ولم تأخر العالم الإسلامي؟.
 إن موقف كل من زولا والشيخ يدل على اهتمام من المثقف بواقعه المعيش ونظرته إلى السلطة. وان واجه زولا واقعه معلنا موقعه الخاص في سبيل تأسيس لسلطة جمهورية عادلة. فان الشيخ أراد أن يستوعب واقعه الخارجي لعله يمكنه من عمل يعود بالفائدة على واقعه الجديد في تونس. فان كان الأول مناضلا معايشا لواقعه فاعلا فيه. فان الثاني كان في طور البحث عن الوعي والفهم... وهو ما سيواصل في عالمنا العربي إلى ساعتنا هذه...

المبحـث الثـالث: طه حسين وتوفيق الحكيم في مواجهة المجتمع ورؤية العالم 
 يتبين للدارس من خلال ما توصلنا إليه من المبحث السابق أن المثقف العربي الإسلامي في العقدين الأخيرين من القرن 19 قد بدأ يسعى سعيا حثيثا إلى الفهم بحثا عن معاصرة لم يكن قد وعاها وعيا تاما ...لكن هذا البحث سيتواصل بصورة حثيثة إبان النصف الأول في القرن العشرين وما بعده. وسنتطرق إلى مواقف أديبين مثقفين ولدا نهاية القرن التاسع عشر وتوفيا في الثلث الأخير من القرن العشرين : أولهما طه حسين ( 15/11/1889 + 08/10/1973) وثانيهما توفيق الحكيم (08/10/1898 + 26/07/1987) ونختم هذا القسم بمقارنة بين ما ورد في كتاب " في ما وراء الحرية والكرامة للعالم النفسي سكنر الصادر سنة 1970 والمترجم إلى الفرنسية سنة 1971 وما جاء في مقال طريف كتبه توفيق الحكيم وأورده في مؤلفه ثورة الشباب الصادر سنة 1975 وعنوانه: قضية القرن الواحد والعشرين. 
 لعل الدارسين لآثار الأديب طه حسين يذكرون محنة الرجل عندما اصدر كتابه "في الشعر الجاهلي" سنة 1926. وهو كتاب استعمل فيه نظرية ديكارت التي تقوم على الشك طريقا إلى اليقين. وقد توصل إلى القول بان الشعر الجاهلي في معظمه منحول أن لم يكن كله.
 وقد جمع بعد الإسلام ونسب لشعراء من الجاهلية...وقد تصدى لطه حسين العديد من علماء الفلسفة واللغة والدين : من بينهم مصطفى صادق الرافعي ومحمد الخضر حسين ومحمد لطفي جمعة. وقد ذهب علماء الأزهر إلى حد مقاضاته إلا أن المحكمة برأته لانعدام نية المس بالدين وان طلب منه 4 تعديلات استجاب لها الرجل في كتابه "في الأدب الجاهلي..." 
وان مرت هذه المعركة الأدبية بين طه ومجتمعه، فان الرجل اضطر إلى المهاجمة بلطف تحيل بعد 33 سنوات حيث اصدر كتاب "الأيام" سنة 1929. وفيه وصف مسيرته منذ طفولته إلى التحاقه بالأزهر الشريف. وإبان فيه ما لحقه من مجتمع متخلف يعاني الثالوث: المرض و الجهل والفقر... وقد أصابه من هذا المجتمع مكروه كبير حيث فقد حاسة البصر، وهي حاسة يدل فقدها عن صورة المجتمع المصري العربي المسلم في الثلث الأول من القرن العشرين وهي صورة مؤلمة.... فكأننا أمام مجتمع ينتقم ممن يبعث فيه نور المعرفة، فالأديب طه حسين تجرد للقيام بدوره بعد أن تعلم بفرنسا وعاد مثقفا طلعة...
 لذلك أعده البعض رجلا مستنيرا من دعاة التنوير في العالم العربي ويراه آخرون من رواد التغريب ويعتقد الإسلاميون أن الغرب هو من خلع عليه لقب عميد الأدب العربي...
 أما الأديب توفيق الحكيم فهو من عمالقة الأدب العربي خاصة في مجال المسرح كما ألف الرواية والقصة. وقد نزّله الزعيم جمال عبد الناصر منزلة الأديب الروحي للثورة (ثورة 23 يوليو 1952) بسبب عمله السردي الممتع عودة الروح (1933) ومهّد به لظهور البطل الذي سيحيي الأمة ومنحه الزعيم سنة 1958 وسام الجمهورية من الدرجة الأولى. وحصل على الجائزة التقديرية للدولة سنة 1960. ووسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى في نفس العام. ولم يمنع الرئيس عبد الناصر هذا الأديب الذي اعترف بفنه اعترافا كليا لم يمنعه عن إصدار أي عمل بما في ذلك السلطان الحائر بين السيف والقانون سنة 1959 وبنك القلق سنة 1966 حيث انتقد النظام ودافع عن الديمقراطية بل إن عبد الناصر لم يوصد بابه في أية لحظة أمام هذا الأديب الألمعي...وقد أبّن الحكيم عبد الناصر وسقط مغشيا عليه وعندما أفاق واصل تأبينه "اعذرني يا جمال، القلم يرتعش في يدي ليس من عادتي الكتابة والألم يلجم العقل ويذهل الفكر"
إلا أن الحكيم اصدر سنة 1972 كتابه الصارخ:" عودة الوعي" هاجم فيه النظام السابق (ثورة 52) بعنف إلى حد انه اعتبر فترة الثورة 23 يوليو 1973 هي من مراحل فقدان الوعي للأمة وأعلن صراحة انه أخطأ فتبعيته للثورة دون وعي قائلا:" العجيب أن شخصا مثلي محسوب على البلد هو من أهل الفكر قد أدركته الثورة وهو في كهولته يمكن أن ينساق أيضا خلف الحماس العاطفي..." بل أن الرجل كتب بيده بيان المثقفين المؤدين لحركة الطلاب وكان ممن دعمه الأديب الراحل نجيب محفوظ وهو ما دفع بالرئيس السادات ( أنور) إلى القول بصريح العبارة:" رجل عجوز استبد به الخرف يكتب بقلم يقطر بالحبر الأسود إنها محنة رجل رفعته مصر لمكانته الأدبية إلى مستوى القمة ينحدر إلى الحضيض..."
 ولعله من المجدي أن نسوق هنا كلمة خطها توفيق الحكيم وكأنه يصور الواقع العربي اليوم:"... لا يتغير هذا الحال إلا عندما تشعر الثورة بصلابة عودها وتوقن انه قد أصبح لها وجه واضح وشخصية متميزة ومكان راسخ في التاريخ العام...عندئذ تنبذ عنها عنصر الهوجة وتأنف منه وتعود بكل اطمئنان إلى تاريخ الأمة العام لتضع كل قيمة في مكانها الصحيح وتضع نفسها في الحجم المعقول داخل إطار التسلسل الطبيعي لتطور امة ناهضة... إذ عرفنا ذلك كان من الميسور أن نفهم حركات الأجيال الجديدة أو ما يسمى اليوم بثورة "الشباب" (ثورة الشباب ).
 وضمن هذا الكتاب المخصوص نجد مقالا للحكيم وسمه بـ" قضية القرن الواحد والعشرين ". وهو مقال وليد زيارة قام بها إلى أمريكا بدعوة من صحفي أمريكي طلب منه الإجابة عن السؤال: لمَ يكره العرب أمريكا " ولم يجد الحكيم إجابة لأنه وفق قوله لا يعرف أمريكا. فاقترح الصحفي عليه زيارة نيويورك وهو عين ما قام به الحكيم... إلا انه ما إن حط الرحال حتى جلبتهما قضية وسمها بقضية القرن الواحد والعشرين. وتتمثل القضية في سعي ثلة من شباب أمريكا (4) إلى نسف تمثال الحرية... وقد أعلموا بنيتهم حارس التمثال الذي وجد نفسه مضطرا إلى القبض عليهم متلبسين... وكان هدفهم في الحقيقة إثارة قضية رأي عام يتمثل في سعي هذا الشباب لتغيير المجتمع. وقد تابع الحكيم هذه القضية من المحكمة إلى الصحافة...فإذا الشبان يلوحون بآرائهم إلى تمجيد العمل ونبذ الكسل ونقدوا المجتمع الرأسمالي الاحتكاري الساعي إلى ربح لا نهاية له. وأبانوا أن الحرية عمل أو لا تكون.
 وكما تابع السنوسي محاكمة أحرار الجزائر، تابع الحكيم هذه القضية وبيّن تأثيرها الكبير على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فمن محاكمة شبان إلى محاكمة شريحة سياسية....وفي وصفه للمحاكمة لاحظ الحكيم أن ثورة الشباب هي ثورة تفعيل للحرية ....ولاحظ أيضا أن قضية الشباب في أمريكا هي عين ما تعيشه مصر والبلاد العربية. فالكل باحث عن حرية مفقودة لكنها في أمريكا هي حرب ممزوجة بحب العمل وتقديسه أما الحرية في البلاد العربية فهي حرية تقوم على الجهل والمرض إضافة إلى الفقر... 
 ويسعدنا أن نقرن هذا الموقف لأديب عربي استطاع أن يجد التقدير لا من البلاد العربية والناطقين بالضاد وإنما أيضا احتراما كبيرا في الأوساط العالمية ذلك أن الحكيم هو مبدع عربي موسوعي عالمي التوجه...وكان يمكن أن يحصل على جائزة نوبل لمجمل أعماله ...قلت يسعدنا أن نقرن هذا المقال الطريف بكتابين معاصرين له: أولهما: كتاب بورهاس فريديرك سكنرSkinner Burrhas Fréederic المعنون بـ" Bayond Freedom and Dignity " فيما وراء الحرية والكرامة ... وثانيها كتاب mal mesure de l’homme …Stefan Jay Cloud la سوء تقويم (تقدير) الإنسان!...
بوماس فريدرك سكنر مفكر عالم نفسي أمريكي ولد بنيويورك 1904 وتوفي سنة 19900 درس الأدب الانكليزي ثم انتقل إلى درس علم النفس حيث اهتم اهتماما مخصوصا بالسلوك عامة والسلوك البشري خصوصا وقد أقام نظريته في السلوك من نقده لرؤية بافلوف. لذلك أنجز صندوق تجارب عرف باسمه حصل على الدكتوراه سنة 1931 درس وقام بعديد التجارب نجح في تدريب فريق حمام لعب أمام الجماهير مباراة في كرة الطاولة اشتهر بتقديمه إبان السبعينات إلى السلطات الأمريكية تضمن تصميما لطائرة يقودها فريق من الحمام. كانت له قدرة كافية لترويض الكائن الحي لجعله يقوم بسلوك محدد بواسطة التعلم المبني على التعزيز: التعزيز المثير المؤدي إلى فعل استجابة. ومن ثمة يتشكل السلوك المراء الوصول إليه. له رواية طبق فيها هذه النظرية ووسمها "بالعالم الثاني:Worlden two 1948 هدف بها إلى تكوين عالم يتكون من مجتمع هو خلية مسيطر عليها...
 أما ف"يما وراء الحرية والكرامة " فهو كتاب حجاج أبان فيه هذا الباحث أن الإنسان في هذا الكون مجبور على خدمة مصلحة الآخرين . فالفرد عامل في مجموعة والمجموعة تعمل لصالح الفرد . ومن ثم وضح أن الحرية التي يدعيها الإنسان المعاصر (وكذلك الكرامة / القيم ) ما هي إلا محض وهم. وانه آن الأوان لكي يضحي الإنسان بحريته وكرامته واستقلاله من اجل مجتمع جديد قائم على أسس مستحدثة. ومما لاشك فيه أن هذه النظرية التي يمكن تلخيصها فيما يلي: يرى سكنر أن الإنسان إذ يرد هذا الكون تتكون فيه ما يسميه ب"الإنسان المستقل"، وهو كل ما تصطفيه ثقافة ما ليتشبع بها الفرد وتبقى رحيقا يؤهله لكي يتسم بسمات مخصوصة هي سمات محيطه. وقد أبان أن المساس بهذا الإنسان المستقيل هو الذي يجعل الفرد طينة طيعة يمكن صوغها وفق رغبة من له القدرة على السيطرة. وهم في نظره ثلة من العلماء الذين يتمتعون بقدرة التسيير ... وأكد أن الحضارة الأمريكية هي التي لها القدرة الآن على فعل ذلك، وإلا فان حضارة أخرى ستحمل مشعل الإنسانية من أجل حضارة عالمية واحدة...
أما ستيفان جاي كلود فهو باحث أمريكي ولد سنة 19411 بنيويورك درس بها وتحصل على الدكتوراء سنة 1967 وهو مشهور بتبسيطه للعلوم والتطور. درس البيولوجيا وتاريخ العلوم بهافارد... ومن أهم كتبه : " بناء نظرية التطور la structure de la théorie de l’évolution وله أيضا "هذه النظرية في الحياة" وهو تفكير في التاريخ الطبيعي أوضح فيه تطور الإنسان المرتبط بتطور الحياة في الكون ... وبين خاصة تلك المراحل التي تنقضي مدة طويلة لكي تصل إلى مستوى معين يتلوه تطور مذهل هو اقرب إلى الصدقة منه إلى التقنين، إلا انه يرى انه بإمكان العلم أن يسبر أغوار الآتي بقدر ما يكون على علم بما كان في السابق... والكتاب الأخير به ختم عمله البحثي إذ بعيد أحداث 11 سبتمبر 2001 فارق الحياة. وفد عانى منذ 1982 مرضه المزمن لكنه غالبه بالعمل والإنتاج.
ولعل من أهم كتبه: la mal mesure de l’homme "سوء تقويم /تقدير الإنسان" نشر سنة 1981 وهو يصور الربط الحاصل بين علوم الرياضيات والعلوم الإنسانية ويختص بالسعي إلى قياس الذكاء لدى الإنسان من جهة نظر العلماء المتشبعين بالحتمية البيولوجية déterminisme biologique الذين يعتبرون الذكاء ملكة وحيدة ذات بعد واحد faculté unidimensionnel ويحصرون وجوده داخل الجمجمة لذلك يرون إمكانية تثمين مقدار ذكاء الفرد مما ينجر عنه ترتيب العباد والمجموعات (الأجناس). وقد بينت الدراسة انخراط علماء بداية القرن العشرين في الانطلاق من فرضية أن الرجل الأبيض هو في أعلى سلم التراتبية ثم يليه بقية الأجناس في حين يحتل الأسود اسفل الترتيب وهو يرى أن سبب هذا التوجه غير العادل ينحصر على الأقل في سببين أو خطأين:
أولهما la réificationn وهو الميل إلى اعتبار المفاهيم النظرية هي مفاهيم واقعية حقيقية وبالتالي يصبح الذكاء معطى ملموسا هو وحدة يمكن قياسها خاصة أنها كائنة في الدماغ. 
 وثانيهما: خطأ الترتيب ويتمثل في سعي قياس الذكاء وترتيب العناصر في سلم محدد ويتمثل الخطأ أصلا في محاولة مقارنة الشخص بأمثاله. فلكل شخص دماغ، ولكل دماغ كيل ولكل كيل عدد مثمن وهو ما يسميه Quantification . وهذا هو الخطأ إذ اعتبر بعض العلماء هذا القيس للذكاء لا قيس للنخاع. فالي جانب الخطأ العادي للقيس فان العالم يخطا في ربط الذكاء بالنخاع فقط. وقد ربط ستيفان كلود (جاي) هذا الخطأ وفسره بميل دقيق عند هؤلاء العلماء إلى دعم توجه سياسي انتشر في أواخر القرن 19 وبداية القرن العشرين ويتواصل ضمنيا إلى اليوم في اعتبار أن الرجل الأبيض هو القائد لسيرورة الحضارة الإنسانية ... ويستشهد بنخاع ذلك الرجل الأسود الذي فاق التوقعات فاعتبر من الاستثناءات ... نذكر هنا خطا العالم مورتن Morton (1849-1839) .
 كما أشار ستيفان إلى تلك الاختبارات التي فرضتها أمريكا على المهاجرين من أوروبا إلى القارة الأمريكية: الولايات المتحدة / أو كل من يتقدم للانتماء إلى الجيش الأمريكي حيث أوضح أن الأسئلة A.Beta / army Alfa تدعي قياس الذكاء لدى المترشحين ... إلا إنها في الحقيقة أسئلة محددة سلفا وتهدف إلى تصفية البعض دون البعض...وهو نوع من الإقصاء غير الحيادي أصلا...
نلحظ في هذا المبحث الثالث إننا لم نوجز القول، ولم نكتف بما خططناه لأنفسنا من استعراض مواقف طه حسين والحكيم وسكنر وإنما تجاوزنا ذلك إلى استعراض نقد ستيفان إلى علماء عصره.
 وقد أردنا بذلك أن نقدم خميرة من الآراء تتعلق كلها بمواقف لأدباء ومثقفين ومفكرين وعلماء من احداث عصورهم لنقدم تساؤلنا الذي افتتحنا به هذا المقال: نهاية المثقف: الممكن والممتنع...؟! نهاية المثقف ؟! أي دور لمثقف اليوم...؟!
 لقد أوضحنا في المقدمة معاني كلمة "نهاية". وبينا أن هذا اللفظ على قدر كبير من الطرافة لأنه حمال معاني تصل إلى حد التضاد، فالنهاية موت واضمحلال وتلاش، وهي أيضا مقصد ومبتغى بل هي غاية الغايات. وفعلا فان المثقف اليوم وفق النماذج التي استعرضناها تاريخيا بدءا بعنترة إلى الشيخ محمد السنوسي إلى زولا وطه حسين والحكيم وسكنر وستيفان جاي كلود وهي نماذج تصور الواقع بدقة متناهية. وقد ربطنا بين السيرة والمنجز الإبداعي ادبيا كان أو علميا بطريقة أردنا أن نكون فيها على حياد تام. فالمثقف اديبا كان أو فنانا أو عالما إنما يسعى إلى فهم واقعه وتفسيره وتحليله. وكل تجربة لها ظروفها المخصوصة ومداليلها بما تحمل من خوافي ونوازع. إلا إننا لا نحكم عليها أو لها حكما مطلقا ذلك أننا نعلم أن العلم / التاريخ / الصيرورة الإنسانية عبر الحضارات المتعاقبة هو سلسلة إصلاح وأخطاء. فلا تطور إلا بالعثور على الخطأ والتنبه له، والوعي به وعيا تاما. فكلما تفطن العالم إلى الخطأ وقوّمه أضاف إلى المعرفة الإنسانية ودعم الحضارة العالمية .
إذن أين يكمن موقع المثقف من كل هذا؟
 لعلنا نذهب إلى ما ذهب إليه المفكر عبد الإله بالقزيز في كتابه: "نهاية الداعية : الممكن والمتمنع في أدوار المثقفين." حيث أكد أن "دور المثقفين مازال مطلوبا ". ذلك أن الدور المنوط به هو بالأساس تفسير الواقع على ما هو عليه أو بصفة أدق تفسير الواقع كما يبدو له بعد الدرس والتمحيص والتدقيق العلمي. وهنا تكمن قدرة المثقف على فهم الواقع واستشراف آفاقه... وعليه – حتى يكون أمينا وصادقا -أن يسعى إلى عدم طمس الحقائق من أجل مصلحة ما ودفعا إلى توجه مخصوص...
ويفسر عبد الإله هذه الرؤية موضحا أنه من خلال ما عاشته البلاد العربية طيلة أواخر القرن 19 وطيلة القرن العشرين، فإن المثقف من خلال تجارب متعددة... وجد نفسه أمام مأزق الاندثار فلم يعد يحسب له حساب بل كثيرا ما وجد نفسه هائما فلا سند له رغم أنه كان في لحظات سابقة يحسب له ألف حساب. لقد فقد نصاعته وبهرجه. وتوجه نحو الاندثار والموت والنسيان. وبيّن هذا المفكر أن المثقف في جمعه بين السياسي والثقافي، وتغليب المنحى السياسي على جانبه الأساسي الثقافي أدى به إلى تلك النهاية . لقد كان المثقف يعتبر نفسه صاحب رسالة وهي صورة رسمها لنفسه ورسمها له أحيانا المجتمع..." لا مراء في أن ذلك الادعاء الرسولي – الخلاصي...تعرض لانكشاف كبير افتضحت معه أساطيره، ومع ذلك ليس في وسعنا أن نرتب على واقع نهاية الداعية – وهي ثابتة لا ريب فيها – اعتقادا نظيرا بنهاية دور المثقف لنقل – إذا- إن الدور الذي يستحق التشييع (لا التشجيع ) عند المثقفين هو بالذات دورهم فوق الثقافي: الدور النبوي المزعوم: دور الهداية والإرشاد والخلاص... واجتراح الحلول السحرية لنوازل الدنيا والدين...الخ (نهاية الداعية: ص ص 171-172)
 لقد طالب كارل ماركس المثقف بتغيير العالم... أي أن يساهم فعليا في عملية إعادة صياغة البناء الاجتماعي... وهو عمل مطلوب صراحة لكنه ليس بالأساس دور المثقف، فالمثقف مطالب بالأساس مد المجتمع بالمعرفة، بالحقيقة وأن يجاهد للتوصل إلى عمق الخصائص الدفينة.. وأن يقدم ذلك بضرب من الموضوعية والحيادية والابتعاد عن الذاتية وأن يكون أمينا في ذلك وأن يصارح ويجاهر بما يراه فعلا من خلال تحليله وتفسيره للمجتمع. ومن ثم يلتزم المثقف بحدود ثقافته، بحدود ما هو ثقافي . وما هو ثقافي هو العلم المبني على الموضوعية والحيادية والنزاهة المعرفية.
 هذا لا يعني أن المثقف ليس له دور سياسي، وإنما ذلك مجال آخر على المثقف الحقيقي ألا يخلط بينهما. فيجعل السياسي قائدا له في الميدان الثقافي... إن المطلوب من المثقف ونهايته اليوم هو الاستبصار الثقافي الصادق، فيمدّ المجتمع به معرفه مطلقه حقيقة معرّفا بها علميا على الأقل إلى حدود المعرفة الإنسانية ... ويكون المثقف في ذلك صادقا نزيها هادفا إلى حقيقة تطلب فتدرك كلها أو على الأقل بعضها... خاصة إننا نعيش عصر المعلوماتية الجامحة... 
 فالي أي مدى تمكن المثقف العربي من المساهمة في المعرفة الإنسانية اليوم....؟!