الأحد، 31 ديسمبر 2017

حكايا الأمير لصالح دمس والشاعر عبدالله مالك قاسمي:
مجموعة قصصية للأديب صالح دمس على غاية من الطرافة هي مقطوعات برقية لاتتجاوز الواحدة الصفحة لكنها تقوم على ضرب من ردة الفعل الذي يغير معطيات البناء فتتغير المسارات. ولفت انتباهي اقصوصة جاءت معارضة لقصيد للشاعر المرحوم مالك القاسمي وسمها ب "متى يأتي رجل المطر". وقد جاءت بدورها معارضة للوحة فنية للمبدعة سميرة المهذبي. وهنا نلحظ مدى التفاعل الفني بين شتى الفنون. وكم هو راق الابداع الحق المفجر للطاقة الكامنة لدى الفنان الذي ينتظر في الغالب تلك اللحظة فيقتنصها ليبدع....لذا دعوة للاطلاع على هذه المجموعة المشوقة المبهرة...
م مدائني

السبت، 30 ديسمبر 2017

مراعي الفردوس ل ج. شتاينبك :
المبدع الأمريكي شتاينبك الحاصل على جائزة نوبل لسنة 1962 عرف بروايته الموسومة ب عناقيد الغضب الصادرة سنة 1939 وأقامت الدنيا وأقعدتها بما عرفته من رواج كبير حيث اطلع عليها خصوم الكاتب وحلفاؤه لما تحمله من صدق في تصوير الواقع الأمريكي وكان لها الصدى الكبير في الخارج حيث طبعت وترجمت إلى لغات عديدة. لكن روايته مراعي الفردوس هي باكورة اعماله الروائية وقد جاءت على غاية من الطرافة لأن الرجل يكتب مؤمنا بالذات الانسانية ومراعي الفردوس هي تصوير دقيق لحياة واد نشأ فيه الكاتب ورغم تفكك الرواية التي تمكنت من تصوير العائلات التي تدفقت للعيش في وادي الفردوس الا ان الرابط بينها هو سعي الكاتب الى تصوير نماذج حية تدعو فعلا الى الدهشة والانبهار..... واكيد ان القارئ الحصيف اذا انغمس في طياتها سيتمنى الا ينتهي سرد هذا الكاتب المبدع...والشكر للصحفية خديجة حطاب على الترجمة الرائعة...
م مدائني


الثلاثاء، 18 يوليو 2017

  
امرأة النسيان للأديب محمد برادة:
أصدر الأديب محمد برادة رواية عن دار الفنك سنة 2004 وسمها ب" امرأة النسيان". و هي قد تكو ن  وليدة رواية سابقة " لعبة النسيان" التي نشرت أول مرة سنة 1987. وهي من أهم الروايات المغربية المعاصرة. و تتمثل في لقاء يجري ما بين الواقع والخيال بين الكاتب المتواطئ ضمنيا وإحدى شخصياته الرئيسية في الرواية السالفة الذكر. امرأة النسيان إذن هي بطل ورقي يغادر عنوة صفحات الكتاب لكي يستدعي في واقع الحال بطلا إشكاليا هو الكاتب ذاته وهنا تكون المفارقة. وتذكرنا هذه الطريقة بخاصية هامة لدى الكاتب صاحب القصة القصيرة الرائعة "حكاية الرأس المقطوع" حيث ينقلب المتخيل واقعا والواقع خيالا محضا. المهم أن الراوي يعترف أنه لما علم أن شخصية ف ب وقد غادرت لعبته وأمست حية ترزق استدرجته تدريجيا إلى أن أصبحت تكيف حياة الكاتب البطل الذي دخل اللعبة وأصبح بدورة يغامر في لعبة النسيان. امرأة النسيان شخصية عاشت عصرها كما نقول بالطول والعرض ولم تكتف بالحياة المغربية الصرفة بل تعدته إلى مستوى عالمي حيث شاركت في التوعية فهي سيدة مناضلة يسارية جادة انطلقت قي حياتها كما يجب ودخلت المعترك وعاشت فترات الخمسينات والستينات وحتى السبعينات بكل جوارحها وقد بعثها الكاتب لكي يصور بها العالم من منظور مدروس إلا أنها خرجت عن إرادته. واختارت أن تعتكف و دعته عن طريق صديقة إلى زيارتها. و قد وجد الكاتب البطل نفسه يخط رواية جديدة هي "امرأة النسيان" من خلال اللقاءات التي تقع بينه والمرأة المنعزلة وما يحيق بهذه اللقاءات من أحداث مرتبطة بالواقع المعيش.  وإن بدت لنا المرأة هاربة من واقعها إلا أنها تشير إليه بطريقة مثلى حيث يصبح الصد الاجتماعي تصويرا حياديا صارما لمجتمع يتآكل ذاتيا. إن هروب البطلة من المواجهة جعلتها ذات عين نافذة قوية دقيقة تلتقط الصور وهي على دراية مما تصور خاصة أنها في عزلتها أمست قليلة الانفعال بل هي بواسطة هذا الخروج عن المعتاد تمكنت من الحكم الفصل وهي لم تعد تهاب  الواقع أو تخشاه لأنها تعيش أقسى حالات الجفاء والخوف. لذلك وجد فيها الكاتب البطل نسغا جديدا وطعما مغايرا هو بالضبط أو على الأقل ما تراءى له أنه لن يجده إلا عبرها. ومن ثمة أصبح ممحونا بها وهي إن غابت عنه تخيلها لحما ودما. واستحضرها في واقعه وفي منامه أيضا...
إننا أمام رواية نعتبرها بحق حديثة بالمعنى الدقيق  للكلمة لذلك أوجه الدعوة لنفسي ولكم للاطلاع عليها والغوص حيث الدر كامن ....وتحية لبرادة المبدع الحق... م مدائني


هرمان هسه  و" اغسطس":
اغسطس هو بطل قصة قصيرة حبرها الأديب العالمي هرمان هسة  ونشرها في مجموعة تحمل عنوان "أحلام الناي". وقد تابع فيها هسه مسيرة حياة الطفل اغسطس مبرزا تلك الأم التي كانت تخاف على ابنها كل الخوف وتمنت له أمنية استجيب لها لكنها كانت أمنية دفعت بالابن ان يعيش عالة على الآخرين فاغسطس محبوب من الجميع لذاته لا غير ولما كبر وجد نفسه محط الأنظار إلا أنه لم يكن يقدر ذلك واغتر وجاءت دعوة أبيه الروحي مخافة للدعوة الأولى أي أن يحب اغسطس العالم ومن جرب صعوبة المحبة دون أن يستجاب له فذاق طعم المرارة وتقبلها بصدر رحب.  إننا أمام قصة تصف المصير الفرد وسط المجموعة بصورتيها المتقابلتين ليصل بنا الكاتب إلى حقيقة مفادها أننا مطالبون بالعيش معا ولا بد من التكيف لننعم بالحياة ونحتفل بها. فتحية صادقة لكاتب أبلغ فأحسن الإبلاغ......م مدائني

"العوشج يتبرأ من ظله"  للأديبة علياء رحيم:
أصدرت القاصة علياء رحيم المجموعات التالية : طين وبلور 1994 _ الخيبة تسبق الموت 1997. أما العوسج  يتبرأ من ظله فقد صدر في مطلع الألفية الثالثة. والمتابع لإبداع الأديبة علياء رحيم  يلحظ أن هذه المجموعة و خاصة القصة الأم لب المجموعة بل لب أدب علياء كافة نعني النص الذي وهب عنوانه للمجموعة كلها نقصد "العوسج يتبرأ من ظله"  هي الحاملة لمضان نصوص الكاتبة. فهي دستورها في الكتابة. وفيها بسطت الإشكالية الدائمة الحضور: لم نكتب؟ لمن نكتب؟ وهل نحن أهل لنكتب ونعبر ونصور؟ ثم وهو الأهم هل نحن جديرون بالقراءة والفهم ؟ وهل أنا وأنت وهم معنيون فعلا بالبحث الفعلي قصد الاستجابة لأفق انتظار قارئ لا نعلم عنه ولا يعرف عنا إلا ما نخطه له، ويبلغنا في القليل النادر انه فهم مقصدنا. وكثيرا ما يكون فهمه في الغالب الأعم مناقضا لما أردنا التعبير عنه...وهذه دعوة ملحة للإطلاع على هذا النص الفريد.... 

الأحد، 16 يوليو 2017

فصل من الرحيل إلى الزمن الدامي لمصطفى مدائني

الفصل الأوّل: عدلي مصطفي
1. عدلي مصطفي يتحسس الطريق رفقة ريم...
الذاكرة جذوة تتقد عند الإنسان، لا تمحو إلاّ النادر من الأحداث التي تمر بنا... وإذ تضرب في البعد تضئ ما كاد يتلاشي... وتنقشع ظلمة في الزوايا، فيغتبط الإنسان ويهدأ منطلقا في متاهات الماضي يستجلي الخفايا...
هكذا كنت أفكر وأنا عائد إلى "العريش" بعد طول غياب تنسمت روائح العرار والحلفاء والشيح، وأنا في القطار، تنسمت الهواء المنعش، المسكر... فإذا الأضواء تنار تدريجيا، والدوّار ينفجر أمامي بأناسه وأطفاله وكلابه وروثه... منذ متى تركت الديار. كيف عدت بمثل هذه اللهفة... ذلك أيضا سيدخل حوزة الحافظة فيبقى كامنا، يبدو ويختفي ليبدو من جديد لكي يختفي بعد ذلك في دورة متواصلة الحلقات... فأنسى الوحدة والوحشة... إن ابن الآفاق القادم من بعيد يوقف الزمن ليبعث الحياة بدءا من المنطلق، وهو يميل إلى إعطاء صبغة منطقية طبيعيّة تعتمد التسلسل التام والواضح بين الأحداث...
فأبي، عندما ودّعني أوّل مرّة عند محطة القطار، قال لي بصوت واضح النبرات ينّم على العطف والقسوة معا: "إنّك رجل، تفهم الدنيا، لكنّي أوصيك بأداء الواجب والاهتمام بشؤونك... ولا تنس الاتصال بنا... إنّني أعرف العاصمة... وما فيها... وأكبر فيك المثابرة والتركيز..."
هذه الكلمات كانت ترّن في أذني كلما راودتني أفكار غريبة... حتى عندما تعرّفت على "ريم" رنّت هذه الكلمات وأعادت رنينها لكنها فقدت مفعولها إذ رمقت ريم وعينيها الواسعتين... والكآبة التي تلفّها... "ريم" جاءتني كقطرة حرّى دخلت كياني وتسربت في شراييني... دون أن أوقف التيّار الذي أخذني...
لم أكن أتوقع الوقوع... لكن بدا لي الأمر بعد ذلك حتميا.
أما أمّي فإنها رمقتني بعين دامعة وقبّلتني طويلا... وإذ ابتعدت في المسرب المؤدي إلى المحطة شعرت بخليط من الأحاسيس... هي الخوف من المجهول، والحنين إلى ما كان والتطلع لما سيأتي...
أمّا جدّي الضاحك دوما، فقد ربّت على كتفي بحنان ورفق، ورمقني كأنه يستجلي الخفايا وقال بصوت صارم: "لا تبك... يا ولدي... كن رجلا مثل أبيك... ومثل زركويه..."
لم أع تماما ما قال، وما يعني بزركويه، لكني تصورته شخصا عظيما... بطلا لا يضاهى...
ليست هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها ذكر هذا الاسم، لكن نبرة جدّي هذه المرّة كانت غريبة... عميقة... ساحرة... فأصبحت أميل دون وعي إلى صياغة نفسي حسب نهج اتبعه كنت أظنّني أتقرّب به من صفات هذا الرجل... لقد كان لاسم زركويه هذا أثر كبير في الحيّ... يتردد الاسم على الألسنة باستمرار... لكن دون أن يحاول أحد أن يسبر الأغوار ومعرفة الكنه... حتى شيوخنا يلهجون بذكره باقتضاب شديد... فإذا ألمّ حادث وتجمّع الكبار تحت شجرة الخروب الوحيدة... واستعصى الحلّ، يرددّون بخفوت: "كن معنا يا زركويه..." ويعمّ الصمت لزمن غير محدود، حتى يعلو صوت "عمّ رابح" قائلا: "استغفروا الله يا أهل الدوار..."
كان القطار يتّبع طريقه عبر المنعطفات منطلقا وسط الغابات... وكان نسيم ربيعي يلفح الوجوه الحزينة، المحشورة وسط العربة... كان الصمت مخيّما إلاّ هدير القطار الذي يتبع نسقا معيّنا... التفتت إليّ ريم مبتسمة والقطار يمرق فوق جسر: "كلّما أوغلنا في الجنوب أشعر بالحنين..." ابتسمت في وجهها... غير أن كآبة رفّت على محياها، فقلت: "لا عليك..." رمقتني لحين ثم راحت ترمق عبر النافذة... و السهب قد بدأت تبدو... سرابا يدعو...
إنّ ريم ترى في هذه الرحلة، التي لن تدوم طويلا، ترويحا عن النفس وخروجا عن المألوف، هي بحث عن الجديد... كأنها ما عرفت عواصم العالم، وما زارت ستوكهولم و فرانكفورد وباريس... لقد عاشت وسط بيئة ثريّة، تؤمن بأن العقل السليم في الجسم السليم وأن الرحلات تثقيف معرفة... وهي تمتاز بروح المغامرة... و إنني كلّما رمقتها ساهمة وترددت كلمات أبي في أذني لكنني سرعان ما أغيب في زرقة عينيها، فإذا بي متعلق بها تعلّقا غريبا لا أكاد أفهم مأتاه... ومنذ أن تعارفنا توطّدت العلاقة بيننا بسرعة مذهلة حتى أصبحنا لا نكاد نفترق... كما أن أباها صار يدعوني بابنه...
إنّني، أحيانا، أحاول أن أتفهّم الأشياء بوضوح، وأضع النقاط على الحروف لكني أشعر بعجز كبير أمام بعض التصرّفات... أتقبّل الأشياء برحابة صدر غريبة... وإذ أغوص في متاهات هذا الوجه تتجرد الأشياء من مدلولاتها، ويصبح الوجود كائنا دائم الحضور... وينتفي كلّ تساؤل فأرنو إليها صامتا، وكأنما تحس بي دون أن تراني فتبتسم برفق باد...
وإذ تسألني عن بلدتي البعيدة وهي تتحدث عنها كما تتحدث عن الأدغال الإفريقيّة، وتقول لي بصوت خفيّ: "لا أعلم لم تهاجرون إلى الشمال... وفي الجنوب ما يدعو..." فأضحك... وأحدثها عن الدأب المتواصل الذي يعيشه الأعراب في السهوب والفيحاء... وكثيرا ما تدمع منها العين وأنا أروي لها حياتي الطفولية و أصف لها ما يعاني الأطفال ذوو العيون السود الذين لا يعرفون فرقا بين الشتاء والصيف...
لقد كانت تنصت إلى أحاديثي في صمت عميق كأنها تستجلي تلك الأبعاد... ثمّ تضحك مردّدة لهجة أبي وهو يأمرني صباحا: "خذ الفأس... خذ الفأس يا عدلي..." هي لا تعلم أن أهل بلدتي يحملون الفؤوس... ويقتلعون الحلفاء صباحا، مساء، بأيديهم... كما لا تعلم أن الرجل يبتني عشّه في يوم ويصبح ذا عائلة في أسبوع... وهي لا تدري أيضا أن الدوّار قد بدأ شيئا فشيئا مند أن ابتنى "العم سالم سليمان" صاحب الدكان بيتا حديثا، وأقام حوله حديقة كانت جنّة الدنيا وقد كان "وليد" يفتخر... وهو يرمي لنا بثمار التوت اللذيذة الطعم فنأكلها مغمسة في التراب...
كان القطار يمرّ بمنعرج ليدخل سهلا مخضرّ الأديم على مرمى البصر عندما خاطبني شيخ صبوح الوجه كان يجلس قبالتي مشيرا إلى الخضرة: "هذا العام مبارك..." ثم أضاف بصوت رخيم "أنتم شباب اليوم... ما عرفتم أعوام الجوع... والحرب الكبرى..." وواصل وهو يمسح جبينه: "لقد عشنا على الماء والحساء... وهناك من مات... جوعا..." وأضاف بنبرة حزينة: "بركة زركويه لن تنقطع..."
ابتسمت في وجهه ومحاولا أن أسبر الأغوار الدفينة، رأيت فيه بعض الملامح من جدّي... وعندما التفتت إلى ريم تذكرت، والحمرة تكسو وجهها، تذكرت بغتة خديجة... وكأنّما هفا القلب فوجدتني أعدو وراء ذات الجدائل، ونستلقي بين النباتات البريّة التي ما عرفت الماء وما ارتوت... معا جنبا إلى جنب إزاء هذه المصابيح الباهتة اللون... وتنظر خديجة إلى السماء وتقول بخفوت: "أتعلم... لقد حدثني أبي عن زركويه... هو جدّنا... كان طويل القامة، طويل الأنف، ضيّق العينين... وله حالات غريبة لا تفهم..." تصمت خديجة... وكالخائفة تلتصق بي وهي تبوح بالسرّ... أشعر بدفقان الدم في شرايينها، و يخيّل إليّ أنني أعرفها منذ سنين لا تحدّ... وأجيبها متصنّعا المعرفة المطلقة: "زركوية جدّنا رحل... ولا أحد يعلم مقرّه... قيل اعتكف لما رأى النّاس تأكل الحرام ولا تقاوم الشرور...".
وتتلاعب خديجة بشعريّ البربري ثم تنهض راكضة... ويصيح الأطفال وهم يبحثون عنّا... ولا ينتهي الصياح إلا في ساعة متأخرة... أو هكذا نتخيّل...
إنّ زركويه بقي في أذهان أهل الحارة كمثل حاضر غائب يتواجد من حين لآخر، وهو كالحلّ السحري لأمور متعدّدة، هو الجامع بين الخير والشرّ في نقطة لقاء يتمنى المرء أن يوفق في الوصول إلى تحقيقها...
زركويه.
يبدو الاسم غريبا، وقد لهجت به كل الحناجر في تلك الروابي والمنحدرات وكلّما اقتربت من الجنوب أحسست أن مدى هذه الكلمة تتسع وتكبر وتتعاظم. فالأطفال يتصورونه فوق البشر، يخشعون دون وعي عند التلفّظ به... وكان الكبار يلهجون باسمه باحترام وإجلال... فكأنّه مبثوث في كلّ مكان، موجود في كلّ زمان لعلّه صاحب كرامة عظيمة... وهو كالهاجس يؤنس وحدتك ويأخذ بيدك عند الشدّة...
لا يذكره "عمي الناجي سلطان" إمام الدوّار إلاّ أعاد إلى الأذهان ما وقع له في أحدى الليالي الشتائيّة... إذ كان عائدا من البلدة المجاورة... ولولا كرامة زركويه لكان الوادي الكبير قد دفع به مع التيّار...
لقد شاهد شيخا فارع الطول صبوح الوجه ذا لحية بيضاء كاللبن يمدّ له عصا طويلة... وسرعان ما وجد الإمام نفسه على الضفّة الأخرى... هل هي أحلام أم تصوير خيال جامح، هذا ما ينفيه الشيخ الإمام نفيا قطعيا... بل يرمي من تخوّل له نفسه هذا التفسير بالكفر والجحود وسواد القلب...
وكان شعورنا، نحن الأطفال، بوجوده حولنا يرقبنا ويحصي خطايانا خليطا من الحب والخوف والريبة... وكانت خديجة تخشاه وتمجّده ممّا دفعنا إلى الاعتقاد بأن زركويه دائم الحضور، يتجسّد في كلّ شيء و يتّخذ شتى الأشكال والألوان... وكلّما ذكر زركويه تشخص خديجة إلى بعيد وتجلس تحت شجرة الخروب العجوز وقد لفتها كآبة عجيبة... و وجدت نفسي أنقاد تدريجيّا إلى آرائها التي بدت فتحا جديدا في دنيا اللعب والبراءة الأولى...
وكان "وليد" يدعوه صراحة جدّه... مستثيرا فينا كوامن الارتباط فتتحرش به خديجة مؤكدة أن أباها حدّثها عن زركويه من خلال بعض الكتب التي يملكها... وهو رجل ورع يحبّ الناس ولا يريد بهم الشرّ بقدر ما يريدونه لأنفسهم... وفي الختام هو الذي أمر قبيلتنا بقيادة جدّنا "سليم الغنوّي" بالهجرة إلى المغرب للاستقرار هناك...
هل هو التردد الذي يأخذني أم هو الخيال يحملني إلى متاهات الزمن البعيد وريم ترمقني بصمت خفيّ، عندما لفحتني أنفاسها وهي تلامس شعري و تتلاعب به ثم تمسك بيدي في حنان طفولي وتقول بخفوت: "ما لك...؟" وكأنما وجمت لحين فقالت: "عذبة هي روائح العرار والشيح...". بهيام شديد تعمقت عينيها بحثا عن الذي ما كان يجب أن يكون ... وإذا خديجة تبدو في البعيد. أمسكت يدها. شعرت بالحرارة المنسابة، انتفضت كأني أفيق من حلم ضبابي الأطراف والمشاهد... حقيقة لم أحدثها عن خديجة ذات العيون السود والبشرة القمحية التي يغوص القلب منجذبا إلى نداء دافئ صادر من الأعماق، لم أحدثها عن الشعر الناعم الملمس الذي ما عرف العطورات وما ناله المقصّ... لم أحدثها عن الوجه الصافي والأنف الدقيق الانحدار. لقد وصفت لها حياتنا بدقة متناهية لكني – عن قصد أو غير قصد – أهملت الحديث عن خديجة، وعن أحاديث خديجة عندما نكون وحيدين محشورين وسط الشجيرات الباهتة اللون، أو إزاء النار في ليالي الشتاء الذي لا يرحم...
لِمَ لم أحدثها عن كلّ ذلك، لماذا لم أبح لها به كأنه سرّ مكنون، صحيح... إنها لم تضع أيّ سؤال ولم تطالبني بالإجابة عن كل الأسئلة... ولكني كنت أودّ لو كان في أمكاني أن أوضّح ما خفي... وأضيء علاقات الصغار التي تبدو كالخيط الدقيق الذي يشتدّ على مدى العمر ويتوطد...
لقد حدّثتني ريم كثيرا عن أصدقائها بنوع من الصراحة بل بصدق ووضوح تام... كما أنها أكدّت لي المرار العديدة على أنّ علاقتنا لن تنفصم ولن يعتريها الفتور... فلماذا لم أحدثها عن خديجة بالذّات؟ لم أدر السبب ولكنّي كنت أعلم أنّني سأجابه تناقضا سأحاول قدر المستطاع أن أعالجه بمفردي... ورغم أنني لم أخش هذه الرحلة مبدئيا لكنّي أحسّ داخليا أنني سأجبر على أتباع طريق معيّن... وأتخذ موقفا سيكون له الأثر البالغ على المستقبل...
إنى أعلم أنّ الأمور سريعة التغيّر في الحارة، وأن الأحداث تتعاقب خاصة أن أهل البلدة لا يستقرون على حال فهم ينتقلون من حين لآخر، وأنه ليحزّ في نفسي أن أجد الرفاق قد بارحوا الأرض الشهباء إلى المدن بحثا عن العمل... وسأعلم أن "ذهبيّة" قد تزوجت و"صلوحة" قد أنجبت بنتا كالقمر، أسمتها "برقوقة"... و أن "مبروكة" قد سافرت إلى هولندا رفقة زوجها سمير العامل بالخارج... وأن "ابن يوسف الحجام" قد حجّ...
إن أبناء الآفاق ينامون معا، وعند الوعي بالواقع يلاحظ أن كلّ شيء قد تغيّر وأن الشيخ المحرز قد توفي إثر مرض عضال، وأن أحمد الفاني قد تزوّج للمرّة الثانية تاركا "عائشة بنت عمي صويلح" لوحدها... ويأتي المطر كالعادة شحيحا... فلا ترتوي الحلفاء الباهتة ومع ذلك تتكاثر ويعمل الناس ليلا نهارا حتى لا يعرف لهم الجوع منفذا...
كلّما رمقت ريم بإمعان يعتريني إغفاء جميل، كأني أريد الولوج لأدغال لم تكشف، والبحث عن سرّ عميق... لم أدر كيف وقعت حالما رأيتها أوّل مرّة في الفصل. كان الأستاذ ذو النظرات الحادّة، يحدّثنا عن الفنّ الفينيقي... بإطناب ممّل وبصوت كالهمس... وكنت أجلس في أخر الصفّ، منتبها إلى تعليق الأستاذ التي يلوكها يوما... إذ أحسست بنظرات شديدة تستثيرني... وكأنها تستدرجني... قاومت وعيناها تنهلان من جسمي الأسمر... وما كان منها إلا أن جاءت لتجلس قربي كأننا قد تعارفنا من زمن بعيد، قالت: ... "ريم سليم"... قلت: "عدلي مصطفى"... فقالت بخفوت واضح: "إني أدعوك للحفل الذي سيقام عندنا..." وواصلت والأستاذ يتأهب لمغادرة القاعة... "عيد ميلادي..."
زغردت الفصول بداخلي وحلقت في الأبعاد عصافير ناعمة الريش وترددت على مسامعي كلمات أبي بصوت مكتئب فيه تأنيب وسخط... لكني تبسمت: "...شكرا..."
كانت تتكلم بالفرنسية بطلاقة غريبة... و بعد صمت قصير ونحن في الممّر الضيّق قالت: "عفوا... الاسم الحقيقي آمال سليم أحمدي... أبي يدعوني ريم... أدرس علم الاجتماع والفلسفة وأهتم بالتاريخ القديم... أحضر هذه الدروس بصورة منتظمة" أجبت والقلب منّي يهفو إلى المجهول: "لنبارك هذا التعارف..." هل رماها الربّ أمامي لتحطم كلّ شيء لكي تعيد البناء من جديد أم هي محض صدفة... هل هو تخطيط أم هو اللقاء العابر الذي يتوطد مع الأيام... يصعب عليّ أحيانا الفهم، فأصاب بإعياء غريب فيه نشوة وخوف وغيبوبة... لكني أحسست مع مرور الأيام أنني أفقد المحدودية الفرديّة... وإذا القلب يهفو إلى عوالم غير واضحة المعالم والصور...
لست أدري كيف حدث ذلك... المهم هو أن ريم أصبحت تنتشلني من همومي اليومية، أعايش معها العصر... وولجت معها المعتركات الفنيّة متبعا خطاها المضيئة... فإذا بي أشتعل وأنطلق كالسهم وغاب ذلك الكسل القاتل الذي عرفته فيما سبق من أعوام...
كانت ريم دوما متحفزة إلى العمل الجاد، ولا تركن إلى الراحة إلا لاسترجاع القوى... وإذ حدثتها عن زركويه... اعتراها التعجب والاستغراب... وردّدت الاسم مرارا كأنها تريد حفظه... ولم أدرك كيف انسقت إلى التفكير فيه... ووجدتني منساقا دون شعور إلى الاهتمام به... والبحث عنه...
قالت ريم وهي تشير بطرف خفي إلى الشيخ الذي أخذه النوم على نغمات القطار المتواصلة: "لعلّه يحلم..." كان منتفخ الأوداج ينزّ منه عرق... والشارب قد خطّة الشيب... ابتسمت وهمسا قلت...: "جدّي ـــ رغم كبره ـــ ما زال في عنفوانه... كالفحل... ما عرف المرض..." وواصلت بعد فترة وجيزة: ... "لعلّ ما يخيف أهل الجنوب... قلّة الماء..."
كانت الشمس قد اعتلت السماء وأصبحت ترسل أشعتها القويّة فتزداد الحرارة ويحسّ الإنسان بالكابوس... ولولا نسيم رقيق لفقد التنفّس...
والتفتت ريم إليّ مستفهمة: "أظن أن زركويه رجل وجد فعلا..."
كانت تتكلم بخفوت... فرمقتها بإمعان عليّ أسبر أغوارها... فصمتت وراحت تتأمل السراب البعيد الذي بدأ لنا كالبحر ولا أشرعة...
ووجدتني منطويا على نفسي استجمع شتات أفكاري المتضاربة، أرى ولا أرى إنّما هي الأحلام تتماوج... كأني أنشد الهروب إلى الزمن الدامي.... عشوائية هي ملامح الآتي..... و كيف كان ما كان، وبم أفسر هذه العودة التي كانت مجرّد رغبة تنازع نفسي، حتى صارت وهما يطاردني... وقد دفعتني ريم إلى تحقيقها...
تنتابنا أحاسيس من حين لآخر كرغبة لا غير، ثم تتعاظم الرغبة وتلحّ فتصبح أملا ممكنا ثم تتوطّد وتسلك طريقها تدريجيّا لتقف أمامك كالقدر فتأخذ اللب وتدعوك للضرب في الصحاري البعيدة. و الغريب أن هذه الرغبة نازعت ريم أيضا... فاحتوتها وأصبحت هوسا يلمّ بها... وكما دفعتني ريم دوما إلى دنيا الليل والحركيّة، استدرجتني إلى تحقيق هذه الرغبة... وهي البحث عن التاريخ الضائع...
إن أي بحث فريد، ينبثق عن رؤية منطلق محدّد للأشياء... يبدو مدعاة للتساؤل والاستفهام... ومن ثم يتحتم على الدارس إيجاد أرضيّة صلبة للعمل كما تقول ريم... وعندما أفتكر وحيدا، أجد هذه الرغبة جنونا يدعوني، للجري وراء سراب هو كالمتاهة...
والحق يقال إن هذه الرغبة كانت بداخلي منذ القديم، لكنها كانت غائبة حاضرة، لا أجرؤ على وضعها حيز التنفيذ... وكشفها علانية... وهل بإمكان الإنسان أن ينطلق من مجرد اسم ليفكك الرموز والمدلولات لتاريخ... كاد يندثر...
لست أدري ما الذي غيّر سحنتي ـــ حسب قولة ريم ـــ إذ كنّا نسمر مع عصام الشلبي ونوال العشيري وأحمد سلاّمي، في إحدى الملاهي الليلية عندما دعتني ريم برزكويه... رمقني الجميع... وبدت لي الدنيا في ثوب جديد... هذه الألوان الزاهية وهذه الأوجه الصبوحة التي تتراقص أمامي، تبتعد تتقارب تتجاذب متبعة موسيقي هادئة تنساب كالرذاذ... نظرت في عيني ريم فإذا هي تضحك في صخب طفولي وتقول: "وراء عدلي... تاريخ..." ثمّ دعتني إلى الرقص... أمسكتها بيد مضرجة بحبّ المجهول. وانغمست في المدّ والجزر كأني الربّان الماهر... وقالت تحدثني عن لواعجها وميلها المسرف للمجهول: "لعلّي سأموت في صحراء القيظ..." ضحكت، وخاطبتها بكلام دافئ وأنا ألفّ يدي حواليها متبعا نفحات الموسيقى السارية في الدماء... وضعت رأسها على صدري... وراحت في إغفاءة... كانت تبكي في أناة... لعلّه الحنين... والموسيقى تستهوي... و إذا الفراش يموج كالبحر، والسفينة تتماوج في رفق تتهادى باحثة عن الأفق الضائع الذي ما وصل إليه إنسان... قلت في نفسي: "هو الحلم... والذوبان..." أفقت، كانت تتلاعب بشعري البربري... في تلك الليلة حدثتني كثيرا، بطلاقة، حدثتني عن حياتها السالفة وكيفية الخلق والبعث والولادة... لعلّه الاعتراف.
قالت: "أميل إلى المجهول، أحنّ إلى شيء بعيد... أتنسم هواه وأغفو كلما اقتربت من النبع..." كنّا متعبين ونحن عائدان... لقد شربنا وتحادثنا حديثا لولبيا متواصل الحلقات كأنها ومضات البوح والإخلاص منذ الصغر وهي تهفو إلى شيء غير معلوم... لقد درست الأديان ومارست كلّ الفلسفات واستوعبتها... ولما زرتها أوّل مرّة... أرتني المكتبة التي حوت من الكتب ما يدهش... تفرست في كلّ شيء... التوهُ بعينه وهذه الصور التي تكاد تنطق وهذا النظام... وكانت تستمع إلى ملاحظاتي بدقة وإعجاب... أمسكت بيدي تجوب بي في الأروقة... لم أفق إلاّ وأمّها الاسبانيّة المظهر تدعونا للعشاء... رمقتني عندئذ وفي وجهها انتشاء غريب... ومسحة كآبة شفافة تكاد لا ترى... وبعد الأكل جلسنا في الشرفة نرقب الظلام والقمر الطالع... هل هو البحر الهاجد أم هي دفقات الذوبان التي تجتاح... وأين الصفاء الأزلي والوضوح التام... تذكرت ما قاله أبو ريم ونحن نركب البحر في اتجاه الشمال: "استقصاء الحقيقة هي المطمح... المعرفة تعمّق وإجهاد...". كان يقول ذلك وهو يبتسم كأنه يتخيل أيام الشباب عندما كان يعتلي جبال الآلب بحثا عن الرؤية الصفاء... كان البياض هو السيد... يقول: "أغيب في البياض ولا أرى إلاّ الأشباح... وعند الجلاء يرتفع بك سحر غريب إلى أجواء ما كشفت وما رآها إنسان..."
أبو ريم شخص متميز عاش تقلبات العصر وحروبه... وهو أب ذكي يطلق الحرية لوحيدته بعد أن وضح أن الدنيا صراع ومكافحة وتأكيد للذات... وقد اكتفي دوما بدور المنبّه... كان يقول: "لا تقل للطفل لا تفعل... كذا... أتركه يصارع وحيدا... فلن تتكرر الأخطاء أبدا...". كنت أشعر بجذوة الأبوية التي يحملها نحوي... بل نحو العالم...
كان كأس الشاي أمامي، ويم تدعوني، وهي تترشف، لكي أرمق الأبعاد أرمق الظلام... وفي عيني ريم ابتسام وحبّ وصدق...
وقدمت "أمينة" أم ريم، جلست كعادتها بجانبي... كانت هادئة التقاسيم عذبة الملامح... أوّل مرّة عرفتها كانت ليلة الحفل البهيج، قدمتني ريم لها، كأعزّ صديق... أحسست وأمّ ريم تقبلني أن العالم قد فتح أمامي أدغالا وغابات... إنّي مطوّق، أطير في سماء عبر عبير طيّب لبخور صيني أثناء حفلات هستيرية... أغيب لأصحو... قالت ريم: "إن الموسيقى ترويح واستدراج إلى المجهول بحثا عن الدفء والراحة والمعرفة... هي انغماس في الأعماق..." كان الليل بديعا... والكون موسيقى جذلى... وبرزت خديجة كالنبع الممطر فوق الحشائش وهي مستلقية، رأسها على صدري تستمع إلى الدفقات المتتالية للدماء كأنها تصيخ السمع إلى الوشوشات والعصافير التائهة بين الأغصان، الباحثة عن أعشاشها في مرح وحبور...
خديجة تعشق الموسيقى الكونية السارية مع الريح والأوراق والأنهار، كنّا لا نتكلم كأنما خلقنا للسماع والاستمتاع والتأمل... خديجة... النبع الذي كان... هل السماء أرسلتك عنوة أم أنت إعداد لمسار عظيم، هل الصحراء ستفرق بيننا أم الكون في صوغه ينحو نحو المجهول وما هذا الشوق الذي يومض في عينيك وأنت تودعينني... كأني ذاهب ولن أعود... هل أنا التائه وسط هذه الجبال و الغابات والشموس والأقمار أم هو الفراغ... و ها منك انطلق كالسهم، أراك وأنا وحيد، تنفجرين فجأة أمامي، فإذا أنت زيتونية العينين، زاهية الوجه... فيأخذني المرح الذي طالما حننت إليه... فأغفو... قليلة الكلام أنت، تستوعبينني بيسر لكن... ما لك وريم... كيف امتزجت بها... أنتما شيء واحد... حتى أني لا أكاد أصدق... هل هي الصدفة أيضا أم الدنيا نسير نحو الجنون... أم هو العالم يتبع تخطيطا محكما... تعاودني كلمات أبي في خفوت لكني أواصل السير إلى أمام... وفي البعيد شبح يستهوي، أقترب فيبتعد ليختفي ثمّ يبرز من جديد... فألحق به... لكنه يهرب لكي يختفي... هو الجري والبحث... وريم ترمقني هازجة بأغنية طفوليّة يسيل العذاب من عينيها... يهفو لها القلب... و إذا القطار يواصل سيره على وتيرة واحدة ممّلة... يعبر حقول الشيح و العرار... فنتنسم العبير الرقيق... سيصل القطار... بعد أن يعبر النهر الكبير...
مضى يومان ونحن في "العريش"، كان استقبالنا بسيطا للغاية.
لم يكن أحد ينتظر مجيئي فجأة في هذا الفصل... كانت الأشجار المخضّرة حبلى، و ريم ترمق الكلّ بعين ثاقبة حالمة كأنها تبحث عن شيء تحسّه ولا تراه... ولعلّها تودّ اختزان الصور لهذا الريف المترامي... لقد هرع الصبيان إلينا ونحن نتبع المسار المحاذي للنهر الصغير... وسرعان ما سرى الخبر، فاجتمع الأقرباء... حتى "عم عبد الغني الفالح" جاء من أقصى البلدة حاملا معه "الزقوقو" والورود... وقد شعرت بنوع من الحرج و هم يرون "ريم"... لقد خفّت تلك التلقائيّة والحدّة، واكتفى الشيوخ بمصافحتها، أمّا هي فقد قبّلت أبي وجدّي وأمّي كما قبّلت أختي الصغيرة وحملتها بين ذراعيها ضاحكة باسمة مناغية... كان الحرج باديا على الوجوه، والعيون ترتدّ عنها باحتشام كبير...
تلك الليلة سهرنا في "الزريبة"، في فناء البيت، وسألني "الشيخ عبد الحكيم" عن الدراسة والعاصمة والحكومة. وسأل جدّي "ريم" عن أبيها وحياتها في العاصمة... أمّا أبي فتفنّن في تصوير أيّامه هناك إبّان دراسته وعودته المبكرة إلى الأرض بعد أن أفلس في التجارة. وأكّد أنّ المآل الأخير لأهل القرية هي الأرض... وكما قال زركويه "لا مناص من العودة..." أظن أن ما قاله أبي كان الفلسفة الوحيدة للبلدة... إنّ ضنك العيش وقلة الماء وأعوام الجوع والتعب المتواصل لا تبعث في نفسيّة الفلاح إلا استماتة وصبرا ومواصلة للكدح والعمل... وكان "الشيخ حامد العرباوي" صامتا يداعب مسبحته الخضراء التي أهداها له "الحاج البكاري" إثر عودته من الحج... لاحظت في وجهه شحوبا وأحسست بنفسي ألج ممّرا ضيّقا لا أنفاس فيه، أهيم بين نارين... فما العمل والناقوس ينفجر في رأسي مختلطا بدبيب القطار والرياح الشتائية لا تني عن العصف... وأين أنت يا من أعللتني كأنّك تأخذين منّي ثأرا قديما... أنا منك ولا مهرب والنسيم رائق هذه الليلة... لعلّه يحكي الزمن الذي قالت ريم بتلقائية: "ما أعذب هذا العيش..." ثمّ بعد صمت قصير...: "تصوّر يا مصطفي... أنا أرى الأشياء بمنظار جديد..." ولعلّها لم تستطع أن توضّح أكثر فصمتت...
وقالت أبي مخاطبا أمّي وقد رأى "ريم" تتفنن في معايشة الواقع الريفي...: "هي ريفيّة محضة..." وأضاف: "تعرف من عاداتنا الكثير..."
و في لهجة اعتراف: ظننتها في البداية رومية الأصل، فإذا هي عربيّة قلبا وقالبا" وأجابته أمّي ضاحكة: "لم أكن أتصوّر أن يوجد أمثالها في المدن..." أما جدّي فقد قال وقد عقد حاجبيه: "ذكيّة، وذات قدرة على الحديث العذب..."
قد يظن الجميع أنّها خطيبتي... أو زوجتي... ولم أقل لهم هذا أو ذاك... ومع ذلك فقد أقر الجميع بأن ريم قد سارت معي مدّة لا تقدّر من الزمن... ولعلّها رفيقتي إلى الأبد... وخرج الشيخ العرباوي أبو خديجة من صمته مؤكدا أن ريم ذات أخلاق عالية... لكن أبي استدرك ونحن على انفراد فتساءل بصدق: "من هي...؟" ضحكت في وجهه وأكدت له بأنها صديقة... فانبسط وقال وهو يتوجه إلى البئر: "على كلّ... هي تصلح لك..."
قد أكون مخطئا إذ أتيت في هذا الظرف بالذات، وقد أكون أثرت كوامن دفينة في عقليّة الدّوار... لعلّه البحث عن المسار التاريخي المليء بالماضي والفواجع والصراعات... الذي دفعني إلى هذا العباب الكبير بعزيمة ذاتيّة كان لريم أثر في بعثها... وكان أوّل من بثثته رؤاي جدّي...
كنت متربّعا على أرض "الحوش" الرطب، وإلى جانبي اتكأت ريم ضاحكة ناعمة عندما قدم جدّي، سلّما بصوته الجهوري، و اقتعد الأرض رغم إلحاح أميّ عليه للجلوس على الكرسي الصغير... قال: "الأرض هي الملجأ..." و لمّا قدّم الشاي ترشف ناظرا إلى السماء وقال" "لقد جئت توّا من الجامع... رأسا إلى هنا لكيّ نتحدث..." وواصل: "قلت أزوره"... ضحك جدّي ببراءة... لا شك أنّه يودّ أن يستوضح... ونحن أيضا نريد أن نستوضح ونستوثق، هكذا ومض البرق فينا، ودون شعور قالت ريم وفي صوتها إحساس بالانبهار والوّجل: "هل وجد زركويه حقّا... لقد أعجبت بهذا الاسم حتّى أصبح هوسا. أريد أن أعرف الحقيقة....." و كأنما أرتجف جدّي وارتخى، ورغم أنّ الظلام كان قد حلّ، ونور المصباح لا يفي بالحاجة، فإنني قد تيقنت من الذي حدث له... أحيانا ننتظر معرفة شيء ما... قد يصدمنا... غير أن الصدمة تكون أعنف وأقوى وهي مع ذلك مدعاة للانشراح والانبساط... وأهل البلدة دون استثناء حتى الخانجي العبد الأسود الذي ما عرف انشراحا أو انبساطا منذ أن جاء من بلدته البعيدة... ينبسطون عند ذكر اسم زركويه... فهو رمز... و مهدئ للأعصاب ومفرج للآلام ومعين في الملّمات ومؤلف بين القلوب، لم يكن من السهل أن يستوعب جدّي ما قالته ريم... قد لا يستغرب لو وجهت له أنا السؤال... أما ريم... ريم سليم... أو على الأصح أمال سليم... الفتاة الذكيّة التي قدمت من بعيد، من البحر والراحة ومقر الحكومة، بلاد الحركة والليل الدائب... ريم ذات العيون الصافية والأصابع الطويلة... ريم تضع هذا السؤال... سؤال ما تفوّه به أحد لا لصعوبته... بل لكونه داخل حيز الوجود الذي لا يناقش... ووجدتني اندفع: "يا جدّي سؤال طاف بنا... ثم نما... وأصبح هوسا ينتابنا... من زركويه... وما هي حكاياه وتاريخه... وريم تهتمّ بهذه الأمور..." وأضافت ريم بصوت عميق فيه جهد وتأكيد: "لقد حدثني عدلي عنه... فجعلني أوقن بوجوده... وأبحث وأجدّ في البحث عن المسار الذي أتبعه...
استند جدّي إلى الحائط وزاغت عيناه في البعيد كأنه يطير إلى الوراء متحسسا الزمن الدامي... وتكلّم بصوت عميق كأنّه آت من الأغوار الدافينة... كان يروي حكاية زركويه... أو المسار الذاتي للرجل الذي غاب كما عاشها جدّنا الأكبر... عيسى المعمور...
مصطفى مدائني


الثلاثاء، 20 يونيو 2017

الذي كان....
 مصطفى مدائني
كان كلّ شيء قد انتهى على ما يرام و أن النا س قد رموا
على قبره التراب وبات بشار وحيدا يرمق ا لأ شياء لكنّه لا
يرى. يتحسس البرودة التي طالما خاضها. وبد أ الحنين العميق
ينمو ويكبر ويتعاظم داخله كالحزن المتسرب، المنساب
كالمرارة الموجعة… وعندما فتح عينيه ليكتنز العالم بوعي
جاد. ظهر الحنين فتاة جميلة حدّ الإعجاز تدعو إلى الانعتاق
والخروج. لقد كان بشار ينعم بالرّاحة والطمأنينة وهو يرى
النا س تبكيه ورغم أنّه قر أ ما في الصدور فإنه صدقهم وود لو
بقي زمنا ينعم بالدنيا والجبال والبحار …ود لو كان بإمكانه
أن يحمل معه اللذائذ والأمطار والعذارى …وكم كانت
دهشته عندما شاهد آخر قدم تأخذ وجهة المدينة تاركة القبر
وحيدا كأنّه العدم…
ولاحظ أن الحارس قد عاد إلى
المنزل حيث الدفء والزوجة والأطفال والبراءة …أحسّ
بشار برغبة كبيرة في البكاء ولكنّه تماسك وهو يشعر بمزيج
من الخوف والحب والرهبة والكراهية وتراءى له أنّه يمر
بتجربة ذات غرابة لعلها الدعوة إلى المجاهل التي توغل في
البعد…إلا أن وجه «فطمة » بدا له في العتمة كان وا ضحاً،
جلياً، يدعوه ويرمقه بنظرات حادة كجرح نازف العمق…
من أقصوصة" الذي كان...."
 م. مدائني

الأربعاء، 19 أبريل 2017

بوادر السرد في تونس

                     من بوادر السرد في تونس...

                                                         الأستاذ مصطفى مدائني
يمكن للدارس أن يحدد مسيرة السرد في تونس وفق ثلاث مراحل:
- مرحلة أولى: منذ بداية النهضة (1820) إلى نهاية الدولة الحسينية.
- مرحلة ثانية: منذ الاستقلال (أواسط الخمسينات ) إلى حوالي نهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
- مرحلة ثالثة: بدءا من 2011 إلى اليوم...

المرحلة الأولى: 
يمكن اعتبار سنة 1820 منطلق هذه المرحلة وهي ترتبط بأمور ثلاث
-       أولها:  مولد خير الدين التونسي 1822.
-       ثانيها: احتلال فرنسا للجزائر 1830.
-       ثالثها:  بداية افتقاد الدولة الحسينية لتوازنها بـ :
§        إلغاء القرصنة خلال مؤتمر فيينا 1815 بأوروبا
§        القضاء على القرصنة 1824 بتونس.
§        انهزام الجيش التونسي والعثماني في  واقعة نافرين أمام اليونان سنة1827.
§        عتق  المماليك 1846.

في بداية القرن 19 أحسّ الغرب أنه أمسى قوّة. ووجد نفسه مدعوا, استجابة لتطوّر مجتمعه إلى أن يتّسع و يمتد ليسوّق منتوجه بحثا عن مواد أولية هو بحاجة ملحة إليها.
وقد وجدت تونس نفسها في هذه الفترة مدعوّة إلى إيجاد توازن جديد. كان لخير الدين دور فعّال فيه. فسعى إلى بعث المؤسسات وفق نظرة جديدة([1]). ولعل أهم ما يجب أن يذكر في هذا السياق.
  - بعث المدرسة الحربية بباردو (1838)
 – المطبعة الرسمية
 – تنظيم الوزارات.
  - مدرسة الصادقية .
  - الخلدونية .
   ولعل أهم من وصف هذه المرحلة هو الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في كتابه القيّم "الحركة الأدبية والفكرية في تونس" حيث تابع  بتدقيق  سيرة " الخـلـدونـيـة " و"قدماء الصادقية" و" الصحافة " وحركة  الشباب والإذاعة مبينا دور هذه المؤسسات في التوعية والتعليم  والتربية([2]). وهو دور نعتبره مؤسّسا. إنه دور فرض الذات بعد حمايـة فرنسا لتونـس1881, وبصفة خاصة بداية من القرن العشرين. ولمّا كانت تونس مدعوّة إلى الكفاح ضدّ الحماية, وجد المجتمع التونسي نفسه مطالب بـ"كفاح ثـقـافي". وقد برزت في هذه الفترة القصة التونسية في شكلها المستحدث. نذكر: - "الرأس والذنب" للجنرال حسين (1820 – 1887) وهي قصة توجه بها إلى أبناء البايات اليافعين. وتعتبر أول قصة للأطفال([3]).
- قصة:" السهرة الأخيرة في غرناطة": لحسن حسني عبد الوهاب كتبها بالفرنسيـة ونشرها في مجلة La Renaissance Nord Africaine   لشهر مارس 1905 ونقلها الأستاذ المرحوم حمادي الساحلي إلى اللغة العربيـة  و نشرها بمجلة قصص في عددها السابع عشر لشهر أكتوبر 1970.
- قصة : الهيفاء و سراج الليل  لصالح السويسي. أنظر: مجلة قصص ع 3 – سنة 1968 ص 46
وسيتواصل هذا المد من الإنتاج([4]) مع"جماعة تحت السور". فتبرز قصة تونسية صميمة. وقد استغل المبدع التونسـي في تلك الفترة الأمكنة المنفتحة كالمقاهي والمجالس. وقد كان دورها توعويا نضاليا هادفا إلى المحافظة على الكيان وفي الوقت نفسه البحث عن الأدب الحق. وإننا نحيل القارئ الكريم إلى مقال طريف للأستاذ المرحوم عبد الله القويري: "نظرة في الواقع الثقافي التونسي"([5]) حدد فيه سمة هذا الواقع وطرافته.
  ويمكننا أن نقرّ أن هذه المرحلة كانت هامّة، خاصة في مجال الكفاح الثقافي. ذلك أنّه كما بيّن سلامة موسى في كتابه: "التـثـقيف الذاتي أو كيف نربي أنفسنا" ": إن كل ثقافة حسنة تؤدي إلي جهاد من نوع مّا والثقافة السيئة هي التي لا تؤدي إلي جهاد لأنّ الثقافة السديدة المتصلة بالمجتمع تسبق هذا المجتمع بمسافة قصيرة أو طويلة وهي لهذا السبب تدعو إلي التغيير لأنّها ترسم لنا مُثُلا جديدة نشتاق إلى تحقيقها ومن هنا, أي من  الرغبـة في التغييـر، نحسّ الجهاد{ وهو جهاد} يكبر شخصيتنـا ويجعلنا نشعر بأن لنا قيمة تاريخية أي لنا رسالة نؤديها بالدعوة إلى إصلاح معيّن"([6]). وهو إصلاح سيتواصل مع المرحلة الموالية.

المرحلـة الثانيـة:
في بداية هذه المرحلة بقي المدّ نفسه وهو الذي عاشه التونسيون عموما والمبدعون خصوصا أي أنّ حمية الدفاع  عن الوطن أدت بهم إلي السعي إلي بناء مجتمع يريدونه. وقد كان ظمأ الإنجاز كبيرا. لذلك أخذت الدولة الفتية على عاتقها البذر الأوّل . فأنشأت المدارس وعمّمت التعليم. وكان الاختيار واضحا من أجل ما سمي بالإقلاع  ومصارعة الثالوث : المرض والفقر والجهل. بل أن مدافعة الجهل كانت صارخة، فما أن بدت الستينات حتى كان المجتمع التونسي يرشح بالمتعلمين. ولعلّ أبرز حدث  في تلك الفترة وهو حدث موح غايـة الإيحـاء هو تأسيس النـادي الثـقافـي{أبو القاسم الشابي } في 17 جويلية  1962 أي قبل الجلاء الزراعي الذي كان في 12ماي 1964, وقبل بروز فكرة إنشاء "اتحاد  للكتاب " وقد جاء النادي ليستجيب لحاجة ماسّة كان المثـقفون ينتظرونها: تمتين الروابط الثـقافية بين كلّ الذين ينتمون للثـقافة و فتح مجـال العمل في إطار سليم. لذلك أمكن له أن يستقطب العديد من الأنشطة ويصبح فضاء ثـقافيا متعدد الاختصاصات عن طريق عديد الخلايا المستحدثة: "المكتبة العموميـة" في 2 جانفي 1963، و"نادي القصة" الذي بعث في 10 أكتوبر 1964 أي بعيد الجلاء الزراعي  و"فرقة المنجي حمزة للموسيقى العربية" منذ 1972  و"جمعية المعجمية العربية" بتونس سنة1985 و"نادي الأطفال"([7]). ومما لا شك فيه أن كتابة الدولة  للشؤون الثـقافية ثم وزارة الثـقافة قد ارتأت  دعم المسار. فأصدرت القوانين الأولى المشجّعة لقطاع الأدب والفنّ. فبعثت إدارة مخصصة للاعتناء بالكتاب نعني "إدارة الآداب" أي" إدارة الكتاب". وعندئذ ظهرت قوانين وأوامر تخصّ الكتاب بل وتدعمه أدبيا وماليا نذكر على سبيل المثال :
-       جوائز التشجيع على الإنتاج الأدبـي والعلمـي: وهي جوائز بدأت مع الستينـات. وتدعمت أواخر السبعينات. ثم أعيد فيها النظر في بداية التسعينات. وهي جوائز مادية تخص أغلب مجالات الآداب والعلوم.
-       جوائز تقديريـة في مجالات متعددة من الإبداع تخص الأدب والفن والنقد والاتصال.وتوزع كما هو معلوم من طرف رئيس الدولة في" يوم الثـقافة ".
-       جائزة أدب الشباب وتخص مجالات الإبداع من قصة وشعر ورواية, شريطة أن             يكون المبدع لم يتجاوز عمره الثلاثين سنة. وتتكفل الوزارة معية الدار العربية للكتاب بنشر   المخطوط الفائز.
-       جوائز الإبداع السردي التي ينظمها" نادي القصة" معية مؤسسات تدعم النشاط الثقافي.
تولي هذه الجوائز عناية خاصة بالقصة القصيرة .
-       جائزة الإبداع التي ينظمها "البنك الوطني التونسي" لدعم الإنتاج الثقافي.                

وقد تدخلت الدوائر البلدية في موجة دعم الإنتاج الثقافي. فبعثت جائزة بلدية العاصمة. ثم تبعتها صفاقس([8]). وكذلك بلدية القصرين التي بادرت في موفى مارس 2005 بتوزيع جوائز تخص ما أنتج من كتب سنة 2004 وامتد الأمر ليعم البلاد عن طريق الندوات التي تقام لدعم الكتاب وإجراء المسابقات([9]). وخاصة تلك التي توجّه للتشجيع على الإنتاج والإبداع لدى الأطفال. نذكر بصفة خاصة المسابقة الوطنية لإبداعات الطفل التي تنظمها إدارة المطالعة العمومية معيّة معرض صفاقس لكتاب الطفل([10]). وتضاعف  هذا التوجه بدعم نشر الكتاب التونسي بما أقرته الوزارة من دعم للورق الثقافي والتوصية بالنشر واقتناء للكتب والمجلات ممّا أدّى إلى تطور واضح في الإنتاج الإبداعي  وتوزيعه في الداخل والخارج بالمواظبة على المشاركة في المعارض الدولية والوطنية والجهوية والمحلية أحيانا. وممّا لا شك فيه فإن هذه التشجيعات المتنوعة والدعم المتواصل قد أثمر رصيدا لا يستهان به من الإنتاج. وبه عرفت الحركة القصصية  نقلة  نوعية.  فتدعمـت الرواية وكثر الإنتاج القصصي وزادت الصحافة في عملية الترويج للنص السردي. فبرزت الرواية التونسية:
"ومن الضحايا" لمحمد العروســـي المطوي (1956).
 سر المعركة    لعبد الحميد منيف ( 1957).
 أخيرا تزوجها  لعبد الحميد منيف (1958).
برق الليل  للبشير خريف(1961).
 بو دوده مات   لمحمد رشاد الحمزاوي (1962).

دون أن ننسى الأستاذ محمود المسعدي بنصوصه السردية المتنوعة. وقد ظهرت إبان هذه الفترة نصوصا خاصّة بأدب الطفل إبان الستينات، قصص مصطفى خريف – ومحمود شعبان وعلي بن هادية وإشعار أحمد اللغماني ونصوصه السردية.
 إلا أنه و بداية من الثورة 2011 ارتأى المجتمع أن يعيد النظر في المؤسسات الوطنيـة لأنها, بالأساس, مؤسسات اجتماعيـة . و ذلك لأسبـاب داخليـة و أخرى عالمية :
- الأسباب الداخلية : الثورة و بداية الجمهورية الثالثة .
-الأسباب العالمية : النظام العالمي الجديد \ العولمة .
  فماهو إذن الدور المنوط  بعهدة  هذه المؤسسات وفق النظرة الجديدة التي وجدت المجتمعات الحديثة نفسها مورطة فيها, بعبارة أدق: ما الذي تتطلبه الثورة و العولمة؟

المرحلـة الثالـثـة:
إن دور الفضاءات المتنوعـة في مرحلتـهـا الأولى كانت تهدف إلى فرض الـذات والدفاع عن الكيان. وقد بدت القصة قبل الاستقلال تصف هذه الذات سعيا إلى تقويمها لتستوي كيانا كاملا له حق البقاء في هذه الحيـاة التي لا تستجيب إلا لمن كان جسورا وله إرادة من حديد. وهذه المرحلة كانت لفرض الذات وإثبات الكيان و إبراز الوجود.
وقد امتد هذا الدور في المرحلة الثانية إلا أن الظرف تغيّر والمطـامح انفتحـت إلى غايات قصوى. فأصبح المجتمع في حاجة إلى مؤسسات فاعلة لدعم المسار الأدبـي والسردي بالخصوص ولعل بروز النادي الأدبي" أبو القاسم الشابي" يعدّ منارة موحية إذ سبق كما قلنا, الجلاء الزراعي وبعث اتحاد الكتاب التونسيين سنة 1971. وقد دعمت الدولة الكتاب عموما والجنس السردي خصوصا وبصفة أخص أدب الطفل.
  ويتضح للدارس أن المجتمعات في عصرنا الحالي, و بدءا من الحرب العالمية الثانية أو قبلها بقليل قد عرفت نزوعا إلى ضرب من الكونية. وكلّنا يتذكّر قوله خير الدين التونسي في كتابه أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك :" إذا اعتبرنا ما جدّ في هذه الأزمان من الوسائط التي قربت تواصل الأبدان والأذهان, لم نتوقف أن نتصور الدنيا بصورة بلدة متحدة تسكنها أمم متعددة حاجة بعضهم إلى بعض متأكدة " ([11]). كما تؤكد الدكتورة سهام نعيم أحمد:" يشهد العالم منذ أواخر الثمانينات تطورات هامة على مختلف الأصعدة تتميز بالسرعة الفائقة وتتمثل هذه التطورات في عملية الاندماج و التداخل الكبير التي تبدو فيها عناصر الاقتصاد والاتصال والتكنولوجيا متصلة بصورة لم يسبق لها مثيل من قبل. و إزاء ذلك أصبح العالم مقبلا على عصر كوني يسوده نظام شامل يتميز بالاقتصاد الكوني و الثقافة العالمية والوعي الكوني. وإن هذا القرن 21  ستسقط فيه الحواجز القومية و تتهاوى فيه الخصوصية الضيّقة وتتشكل هويات وتوقعات جديدة لدى الإنسان تتلاءم مع هذا الاتجاه نحو الكونية "([12]).
وقد دأبت هذه الظاهرة على الاستفحال تدريجيا . وهي ترتكز على منطلق اقتصادي يسير بتؤدة وتبصّر. وقد برزت بعض العراقيل نذكرها بعجالة ,لأنها ليست ما يهمنا في هذا السياق :
-       المعارضة الدينية.
-       المعارضة العمّالية.
-       المعارضة الداعية إلى المحافظة على البيئة و سلامة المحيط .
وهذه الحركات لم تصل إلى درجة يمكنها في المستقبل المنظور أن تصنع الحدث. ولعلّ ما تتطلبه العولمة من تجانس للثـقافات هو الذي يخول للإنسانية مجالا أوسع للتعامل معها .إنّها نقطة الضعف التي تحاول العولمة قدر المستطاع السيطرة عليها. وذلك ببعث ثقافة تريد لها أن تكون عالمية  وهي, لتحقيق ذلك تعتمد بالأساس وسائل إعلامية متنوعة ومتطورة. ويتضح بالممارسة قوة هذه الوسائل ومقدار سيطرتهـا على التأثير خاصة لدى الشباب. فمكمن الدفاع ينطلق ممّا تملكه الثقافات المتنوعة المختلفة من خصوصيات وجوانب محلية ورؤى اجتماعية محددة. ذلك أن ما تتطلبه العولمة هو أن تتجانس الثقافات بانصهارها في ثقافة واحدة هي ثقافة مالك الوسائل الإعلامية التي تغزو العالم. لأنها الثقافة القادرة على الرواج والانتشار والاستقطاب وهي في عصرنا الثقافة الغربية وبصفة أخص الثقافة الأمريكية. والصراع المطلوب ليس صراعا دمويا بقدر ما هو صراع عقلي يتمثل في حسن استغلال ما توفره العولمة من آليات استغلالا كاملا غير منقوص.
  وفي هذا السياق نرى أن دور المؤسسات الثقافية والنوادي الأدبية يتنزل كي يفرض الذات ويعمق الكيان ويحافظ على الهوية من التلاشي والاضمحلال. ومن ثمة فإن العولمة أو التجربة الأمريكية الساعية إلى توحيد العالم ضمن رؤيتها التي بدأت معالمها تتضح مع انهيار الحلم الهتليري , لينهار بعده الأمل السوفياتي, وجدت نفسها فجأة تقود العالم, وقد استندت في نظرنا إلى رؤية ذكية حددها  العالم النفسي والأديب  سكنر أعمق تحديد في كتبـه وبخاصـة في مؤلفـه" في ما وراء الحريـة والكرامـة " وطبقـه في روايته :"العالم الثاني"([13]).
لقد كان هدف سكنر إيجاد مجتمع متجانس وفق رؤية محددة سلفا([14]). وضمن هذه الرؤية يتوجب على النوادي والمؤسسات وكل العناصر الفعالة في المجتمع أن تتأهب للقيام بدورها الصريح :
-       فرض الذات عبر كل قنوات الاتصال بطريقة فعالة متميزة .
-       تعزيز الإنتاج الإبداعي الذي يصور الخصوصية والمحلية دعما للقيم الأصلية التي يجب أن تبقى مرجعا أساسيا للمجتمع.
-       الدعوة إلى التثقيف الذاتي بشتى السبل مقاومة للتأثير الذي قد تحدثه ثقافة  الآخر الغازية وهي ثقافة   لها بصفة أخص قدرة فائقة إذ تؤثر  تأثيرا مباشرا في الأجيال القادمة . ولا يكون ذلك ممكنا إلا بـ :
-       انفتاح المؤسسات الثقافية على المحيط انفتاحا تاما قصد بلوغ الجدوى والجودة في آن.
-       الانطلاق خارج هذه المؤسسات بحثا عن الموهوبين وخاصة الأطفـال لحـثّهم على الإبداع  وتلقينهم الأدب الحق حتى يتشبّعوا به وينفعلون معه.
-       المثابرة على القيام بدورات تدريبية ومحاضرات وندوات داخل  المؤسسات و خارجها على أن تكون هادفة أي أن يكون لها جمهور متابع مستهدف. وهو عين ما يؤديه مشكورا" نادي القصة "منذ انبعاثه رغم  العراقيل التي يعرفها من حين إلى حين.
-       دعم ما سنته الدولة من تشجيعات متنوعة فيما يتعلق بالكتاب والتفكير في دعم مماثل كي تتحول هذه الكتب وتدرج ضمن الوسائل المستحدثة : الكتاب الإلكتروني- الأقراص CD.Rom – مواقع خاصة بالأدباء.

إن الحركة القصصية في هذه المرحلة قد بلغت مبلغا متطورا, و نحن نقول ذلك لأنّ القصة التونسية, اليوم ,حاضرة فاعلة, بل إنها بكل صراحة تمثل الجنس الذي يستقطب كل الأشكال. وقد عرفت نهضة منذ السبعينـات. بل إنّها أضحت شكلا يمثل الهويـة في عمقها ويكفى أن نذكر بعض الأسماء لكي نعرف مدى جديتها: محمود المسعدي وحسن نصر وأحمد ممـو ومحمد  الباردي ومحمد صالح الجابري ومحمـد الهادي بن صالح وأبو بكر العيادي وحسونة المصباحــي ومحمد حبيب السالمــي وسميــر العيادي  ومحمود بلعيد ومحمود التونسي وناصر التومي وعز الدين المدني ويحيى محمد ورضوان الكوني دون أن ننسى أب الرواية التونسية الحديثة محمد العروســي المطوي.
  



ترجمة حمادي الساحلي لقصة "السهرة الأخيرة بغرناطة"                                                      لحسن حسني عبد الوهاب


إنّ قصّة حسن حسني عبد الوهاب Dernière soirée à Grenade الصادرة بالعدد الثالث من مجلة « Le Renaissance Nord-Africaine » لشهر مارس 1905([15])، نقلها الأستاذ حمادي الساحلي إلى اللغة العربية ونشرها بمجلة "قصص" في عددها السابع عشر لشهر أكتوبر 1970([16]) تحت عنوان "السهرة الأخيرة بغرناطة". وسيكون هذا النّص محور حديثنا.
لقد مرّ على صدور القصة باللغة الفرنسية ما يزيد عن القرن. وحوالي نصف القرن بالنسبة إلى النّص في لغته العربية.
فكاتب النّص([17]) تونسي عربيّ ذو جذور أندلسية كتب باللسان الفرنسي بعد أن تشبع بهذه اللغة وحذقها.
ومترجم النّص([18]) تونسي أصيل يجيد اللسانين له فضل السبق في كشف النص وترجمته بعد مرور حوالي الجيلين (65 سنة).

ومنذ البداية نؤكّد أنّ تعريب النّص عملية صعبة، ذلك أنّ "الترجمان" إنّما ينقل نصا ما من تربة خاصة إلى مناخ جديد، مما قد يجعل النّص الأصلي عرضة للتغيير والتحريف لذلك قيل: "إنّ ترجمة النّص خيانة له" أو وفق العبارة الإيطالية « Traduttore traditore » ([19]). وقد استثنى بعض الدارسين ترجمة نصوص غير أدبية مؤكّدين "أنّ ترجمة النّص غير الأدبي ممكنة بسبب اعتباطية العلاقة بين الدال والمدلول...لذلك فكلّ ترجمة موفقة لنص غير أدبي بديل لذلك النّص"([20]).
وعلى العكس فإنّ ترجمة النّص الأدبي يثير إشكاليات كثيرة مما أدّى بالبعض إلى القول بأنّها "ترجمة مستحيلة بسبب التبرير الذي في علاقة الدال بالمدلول، فكل ما نوفّق إلى تصويره بواسطة الترجمة في هذه الحالة هو الجانب غير الأدبي الجمالي. أمّا أدبية النص فلا تترجم. وهنا قد نتوهّم أنّنا وفّقنا إلى ترجمة أدبية النّص إذا ما اجتهدنا في إخراج نصّنا في اللغة المنقول إليها مخرجا أدبيا. ولكن الحقيقة أنّنا نكون آنذاك قد ولّدنا نصّا جديدا غير النّص الأوّل، ولدناه عن طريق قراءتنا للنّص الأصلي، فسبيلنا في هذا الباب هي سبيل القراءة لا الكتابة وسبيل التوليد لا سبيل المحاكاة"([21]).
إنّ النّص المترجم في لغته الثانية يصبح نصا جديدا يصطبغ بصبغة جديدة ويكتسب خصائص جديدة. ومن ثمة فكل "ترجمان" وإن كان أمينا فإنّه بلا شك قد يقع في:

1.    التضحية بمبدأ الأمانة في الترجمة. وإذاك يكون عمله من قبيل الاقتباس لا من قبيل الترجمة.
2.    السعي مع تمسكه بمبدأ الأمانة في نقله المعاني والأفكار إلى تحليل الأساليب المخصوصة المستخدمة فيها والإيحاءات المختلفة التي تصحبها. وإذاك يخرج من باب الترجمة إلى باب الشرح والتفسير.
3.    الاجتهاد مع بقائه وفيّا للمعاني الأصلية في استنباط نظائر الأساليب المخصوصة في اللغة المنقولة إليها والبحث عن إيحاءات جديدة قريبة من الإيحاءات الأولى فيتوخّى سبيل التبديل والتوليد. وهذه أيضا سبيل غير سبيل الترجمة"([22]).

يتّضح، إذن أنّ سبيل الترجمة وعرة كأداء. وكأن الترجمان قارئ للأثر، متقبّل حصيف له، يفعل فيه فعله إذ يترجم. فالترجمان بهذه الصفة يملأ نصه بما يرشح، فيثري النص إثراء، قد يصل حد إعادة صياغته على نحو مّا. إلا أنّ هذا الأمر لا يعني أنّه يندر الوصول إلى ترجمة أمثل([23]) . بل على العكس، فإنّ الترجمان المجتهد، إذ يضع نصب عينيه ترجمة النص، بأمانة ودقّة، قد يتوصل إلى ذلك خاصة إذا كان النص نثريا. ذلك أنّ الصعوبة تكمن بصفة جلية في ترجمة الشعر يقول بول فاليري (Paul Valéry) في تحديده للشعر والشاعرية:
« La Poésie… c’est un art particulier fondé sur le langage… Il désigne un certain état qui est à la fois réceptif et productif, état qui peut tout aussi bien être celui de l’homme que celui du monde »([24]).
فالشاعر، إذن، حمّال معان.
Il lui faudrait se refaire un dictionnaire car les mots qu’il utilise, sont mutilés. Il ne fait que les mutiler davantage. Il lui faudrait à chaque fois inventer leurs significations…
أما القارئ الحصيف وبخاصة الترجمان الطلعة فورّاد معان يتنبه إلى كثرة المداليل.
Le lecteur peut prendre ainsi conscience de la multiplicité de ses significations » ([25]).

ونصّ حسن حسني عبد الوهاب سردي لكنّه حامل للشعر. ونعني بذلك أنّ الكاتب أورد فيه مقاطع شعرية كما أنّ بعض عباراته النثرية تتّسم بالشاعريّة.
فما هي خصائص هذا النّص ؟ وإلى أي مدى تساعد هذه الخصائص "الترجمان" على الإيفاء بحق النص في عودته إلى أصله ؟ !

I Dernière Soirée à Grenade: نص قصصي متطوّر:
تقوم قصّة Dernière Soirée à Grenade على التقابل([26]):

1 – مقابلة أولى بين العنوان وخاتمة القصّة:
فالعنوان: "السهرة الأخيرة في غراناطة"(*) جملة اسمية فيها حكم وتقرير، جملة يمكن أن تكون مكتفية بذاتها أي تامّة، كما يمكن أن نعتبرها مبتدأ خبره ما سيرد في النّص.
أما الخاتمة التي تنفتح بفعل "استيقظ" المتبوع بظرف زمان" ذات يوم من سنة 1492" فإنّها تدلّ على تغيّر طارئ. فالعنوان "بداية" للقصّ، وبداية لليل. والخاتمة نهاية لليل وبداية يوم لا كالأيام.

2 – مقابلة ثانية بين قسمي النّص:
فالقسم الأوّل الذي ينفتح بقوله: "انكشفت غرناطة... إلى قوله: ولا شيء يوقف الحفل الأميري. وقد تعالت فيه الأهازيج المرتجة أكثر فأكثر وسط سكون الفجر الضاحك المنحدر من السماوات"([27]) فيه تصوير دقيق للاحتفال في القصر الملكي.
أما القسم الثاني فبقية النّص. وفيه سرد لفتح الإسبان لغرناطة واستعادة المسيحيين لها من أيدي العرب، وبهذه المقابلة الجلية يتضح معنى العنوان: فالسهرة الأخيرة هي سهرة العرب الأخيرة في غرناطة.


3 – مقابلة ثالثة تتضح بين القسمين:
فبقدر ما اتسم القسم الأوّل بالوصف والتصوير، كثرت في القسم الثاني الحركة والتدبير وتكثّف السرد والفعل.
وينجلي ذلك بمزيد تحليل القسمين:

القسم الأوّل: يتكوّن من ثلاثة مقاطع:
1 – مقطـع أ: من البدايـة إلى قوله: "صفـوة شباب غراناطة": وفيـه ذكر للفـضاء      (Chronotrope) وفق عبارة باختين([28]) بإطاريه الزماني والمكاني. وهو مقطع يغلب فيه الوصف ذلك أنّ الأفعال التي كان يمكن أن تدل على الحركة قد تمحضت للدلالة على التصوير، فضلا عن كثرة الأوصاف والرسوم والنعوت.

1 – مقطع ب: من قوله "وفعلا" إلى قوله "غرناطة اللامبالية". وفيه إعداد مادي للحفل واستعداد لافتتاح مجلس الأنس. وهو مقطع تنشط فيه الحركة. لكنّها حركة محدودة في الزمان مشدودة في المكان، لأنّها حركة دائرية تحوم حول نفسها. فلا تبرح الداخل ولا تدل على العنف بقدر ما تدل على اللطف والظرف. فإذا هي حركة أريد بها الوصف أكثر مما أريد بها الفعل.

1 – مقطع ت: انفتح هذا المقطع بقوله "افتتحت الحفلة" إلى قوله: "المنحدر من السماوات": وفيه نشوة المحتفلات وقمّة سعادتهن ولا مبالاتهن وتصوير دقيق لمجلس الأنس والراقصات المبدعات ورغم الأفعال الدالة على الحركة إلا أنّها حركة جسمية تنطلق من الجسم وتعود إليه اتباعا لحركة الرقص. إنها الأفعال الواصفة لذات الراقصة وصفا بليغا...

أما القسم الثاني: فيتكوّن من ثلاثة مقاطع وخاتمة:
2 – مقطع أ: وينفتح بقوله: "واخترق الجوّ"... إلى "هذه اللحظة من الانتظار" وهو مقطع يوحي بالحركة والصخب والضجيج. هو عنوان لعنف الصدمة وهو يقابل المقطع الأوّل بالقسم الأوّل ويعارضه معارضة تامّة.

2 – مقطع ب: من قول الكاتب: "هاهم (وجها لوجه) "إلى قوله: ".... إلى "قلب الغراب". وهو مقطع المواجهة والمداهمة والصراع. وهذا المقطع يقابل المقطع الثاني من القسم الأوّل مقابلة تامّة. فإن كان المقطع الأول استعدادا للحفل وإعدادا له وفق حركية داخلية تكاد لا تحسّ، فإنّ هذا المقطع قد كسر الهدوء وقلب السكون.

2 – مقطع ت: ينفتح هذا المقطع بقوله: "أما المنصور..." إلى قوله: "بقية العمر" وهو مقطع الاستبسال والموت فداء للحبيب. وفيه مقابلة مع المقطع الثالث من القسم الأول الذي مثّل قمّة النشوة أثناء الاحتفال. وهذا المقطع يتضمّن صورة لقمّة الانتشاء موتا ودفاعا عن الأليف.
أما الخاتمة فبقية النص وهي تقابل عنوان النص كما ورد في بداية التحليل.

4 – مقابلة رابعة: 
يتضح التقابل في مستوى الفواعل إذ تنقسم إلى قسمين:
1.    قسم فاعل ساكن لانّ فعله محدود مكانيا.
2.    قسم فاعل متحرك لأنّ فعله يسع الأماكن كلّها: الداخل والخارج والعتبة.

القسم الأوّل:
تتضح هذه الفواعل في القسم الأوّل من القصة وتشمل: الأميرة عجيبة وصديقاتها والجواري النوبيات والغواني الراقصات وكذلك المؤذنين والصناع والغرباء والتجار والعاملين والحراس. وتنضاف إلى هؤلاء "غرناطة" باعتبارها مكانا يرتقي إلى درجة الشخصية. ويغلب على هذه الفواعل منزعها الدائب إلى السكون. فهي، وإن تحركت، تتحرك في حدود مرسومة، فتتراوح مكانها (القصر الملكي في غرناطة أو السوق أو المدينة). بل إنّ بعضها لا يتعدى عتبة القصر ولا ينتقل إلى خارج المدينة. ويقابل هذه الفواعل شخوص ساكنون في مرحلة أولى هم: المحاصرون الإسبان وكذلك الشاب المنصور قائد جند ملك غرناطة.

القسم الثاني:
تتضح هذه الفواعل بما تقدّمه من أحداث فهي محدثة للفعل قائمة به. إنّها تنتقل من الخارج إلى الداخل عبر "العتبة". و"العتبة" في هذا السياق بمفهومها الباختيني مكان العبور وهو محدد في القصة بالجملة التالية: "إن الثغرة التي فتحوها في أسوار المدينة، مكنتهم من التسلسل إلى ربض البيازين بينما كان الجميع نياما". وتتمثل هذه الفواعل في المحاصرين الإسبان الذين ينقبلون إلى مقتحمين وإلى حشود متحمّسة" ويقابل هؤلاء: حرّاس المدينة بقيادة "المنصور" الذي وقف في العتبة مدافعا عن الأميرة، تنضاف إليه شخصية معينة هي المرأة التي دعت الأميرة إلى الهروب بعد مقتل القائد.

5 – مقابلة خامسة:
يجمع هذا النص القصصي بين أمرين من الصعب التوصل إلى الجمع بينهما، دون الوقوع في خطأ فني([29]). فالقصة من ناحية هي واقعية تكاد تكون تاريخية بل إنّ صاحبها أرفقها بتاريخ محدد أورده في الخاتمة. لكن الكاتب صاغها في قالب قصصي فني يكاد يكون ناجحا إن لم نقل كلّ النجاح... 
وإن كانت القصة باعتبارها خبرا تسعى في الغالب إلى الإمتاع والإفادة بذكر سلسلة من الأحداث المشوّقة المدهشة، فإن التاريخ يسعى إلى البحث عن الحوادث الواقعية التي تقترب من الحقيقة فيربط بينها منطقيا لتتوصل إلى ما يمكن نعته بالواقع التاريخي.
وبين هذين الشكلين من التعبير من التباعد الكثير، إلاّ أنّ الكاتب في قصّته: "السهرة الأخيرة في غرناطة" استطاع بحقّ أن يجد الخيط الرابط بين هذين الشكلين بلطف تحيّل فنّي. إذ ربط بين العنوان من ناحية، والخاتمة من ناحية أخرى. وجعل القصة تقوم على الصراع بين العرب والمسيحيين وضمنها وردت عرضا، لكن في الصميم، قصة حبّ غير معلن، هي قصة حب ممكنة الوقوع محتملة الحدوث، بين قائد جند الملك وعجيبة ابنه أبي عبد الله([30]).
وقد تمكّن الكاتب من أن يحرّك التاريخ بواسطة شخصيات مثّلت عصرها. وعبّر عن ذلك بضرب من الحياد الظاهر وإن اتخذ موقفا ضمنيا عبر بعض الأوصاف التي بثّها في نصّه....
لذلك يمكن القول، إنّ الكاتب، بهذه المقابلة الطريفة، بين التاريخ في ناحية، وفن القصّ من ناحية ثانية، قد توصّل إلى تفسير بعض المعطيات التاريخية من وجهة نظر مخصوصة...

6 – مقابلة سادسة:
تتضح هذه المقابلة في مستوى الأسلوب حيث استخدم الكاتب في بناء قصته سردا يغلب عليه الوصف مع إيراد بعض القطع الحوارية. وهي قطع تعبّر في غالبيتها عن مفهوم المشهد أكثر ممّا هي دالّة على معنى الحوار والجدال والنقاش.
كما استخدم مقطوعات شعرية([31]) وردت متّسمة بميسمين: ميسم أول فيه تصوير للعاشق الوله والمحبّ الحزين. وفيه مدح ضمني لمعاني الفراق والسلوّ والحنين. وميسم ثان بلغ فيه الكاتب درجة الوله الصوفي. فإذا المحبّ عاشق لذات قريبة، لكنها لا تدرك، وبعيدة، لكنّها تكاد تكون في المتناول.

7 – مقابلة سابعة:
تتضح هذه المقابلة في مستوى الجمل والعبارات. فقد أتت هذه الجمل والعبارات في لغة فرنسية دقيقة تشي بمدى تمكّن الكاتب من هـذا اللسان. ويؤكّد ذلـك أنّ الكـاتب عمد أحيانا إلى إيراد كلمات فـرنسية لم تكـن موجودة في هـذه اللغة. وإنّمـا استعمل الاشتقـاق لنحتـها. فكلمة([32]) nuageusement غـير مستعملـة في القواميـس الفرنسيـة. ذلك أننا نجـد النعت: nuageux (adjectif) ولا يستعمل l’adverbe من هذه الكلمة. 
ولم يمنع "تبحّر" الكاتب في هذه اللغة من التأثر بالأساليب التعبيرية العربية. وقد اتّضح ذلك خاصة في الوصف والتصوير عند ذكر الظروف([33]) عامّة أو مجالس الأنس خاصّة.
وسيكون لهذا الأمر أثر بيّن في كل ترجمة. فهو من ناحية قد يسهل أمرها على الترجمان لأنّ الكاتب صوّر الحياة العربية والحضارة الإسلامية في الأندلس. لكنّه، من ناحية أخرى، سيجعل المهمّة مستعصية إذا ما ارتبط الأمر بتصوير الأحاسيس والعواطف وحركات الجسد وسكناته...

III – ملاحظات حول الترجمة:
يمكن للدارس أن يتفطّن إلى الملحوظات التالية:

1) انتقاء لفظ أو عبارة لا تؤدي معنى اللفظ أو العبارة الفرنسية وإن كانت لها بعض ملامح دلالتها (128: p) Dernière Soirée à Grenade السهرة الأخيرة بغرناطة (ص 9).
إنّ ترجمة à بحرف الجر "ب" ممكن. لكن من المعلوم أن الحرف لا معنى له إلا باتصاله بالاسم الذي يليه. فهو يستمدّ دلالته منه. وهو يدلّ، في الغالب الأعم، على معاني الإلصاق والقران أو الملابسة والمخالطة أو الحال والعرض أو بمعنى "من أجل" الدالة على الوسيلة، إلاّ أنّ هذا الحرف يندر أن يأتي في معنى حرف "في" لذلك يحسن أن نترجم العنوان وفق الترجمة التالية: السهرة الأخيرة في غرناطة:
وذلك لأنّ حرف "في" يدلّ بوجه عام، على الظرفية والمصاحبة والاحتواء. وهو متمحّض للدلالة على "وسط" و"داخل". وهو، في ذلك، يتلاءم مع العنوان كما ورد في صبغته الفرنسية.
Tandis que les dernières teintes enflammées du jour se perdent peu à peu dans l’immense océan mauve p : 128.
على سطح البحر الواسع وسط المياه البنفسجية(ص9).
إنّ عبارة Dans l’immense océan mauve وبوجه خاص لفظ océan تدل على معنى البحر والمحيط. وغرناطة لا يحيط بها بحر ولا محيط وإنما كلمة océan تدل على المحيط في معناه الأوّل أي ما يحيط بالشيء وفيه معنى الاتساع immensité. لذلك نذهب إلى ترجمة هذه العبارة كما يلي: وسط المحيط الواسع البنفسجي.
Des vieillards appellent à eux leur jeunesse passée p : 133.
ولسان حالهم يقول ألا ليت الشباب (ص15).
إنّ الانزياح واضح. فقد عمد الترجمان إلى قراءة النّص. ووجد في القول الشعري "ألا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب" ما يفيد مقصده وإن كان بعيدا عن التعبير المناسب ففعل appeler يدل على معنى النداء من قريب أو من بعيد أو الاستدعاء. كما يحمل هذا الفعل معنى الطلب أو إطلاق اسم على شخص أو حيوان. فذكر لسان الحال وإيراد صدر البيت الشعري: "ألا ليت الشباب يعود يوما" يصبح قراءة للنص لا ترجمة له تقرب إلى الموضوعية والحياد. لذلك نقترح... "فالشيوخ يقرعون كل الأبواب" مستعيدين شبابهم الآفل...".
Sur les faïences lourdes finement ornées de fleurs et d’inscriptions p : 129.
على أوان من خزف تحليّها بكل رقة نقوش من الزهور والزخارف.
يتّضح للدارس أنّ هذه الترجمـة قد تغاضـت عن كلمتيـن lourdes  و inscriptions. فالكلمة الأولى باعتبارها وصفا تعود إلى أوان من "خزف" فهي تحمل معنى "كثافة" النقوش التي تحلي هذه الأدوات. أما inscriptions فهي تحمل معنى الكتابة، فهي تعابير مسجلة على الأوالي. لذلك نذهب إلى القول بالترجمة التالية: 
في أوان خزفية ثقيلة نقشت عليها بمهارة زهور وعبارات...

2) انتقاء المعنى غير المناسب في سبيل ترجمة المداليل ممكن إلا أنّه يوقع في عدم الدقة.
L’alhamra, paradis des rois s’élève et s’étend sur de verts coteaux escarpés, telle une améthyste sur un plateau d’émeraude (p : 128).
أما قصر الحمراء... فقد احتل المكان اللائق به على قمم الربى المخضرة كالدّر يحيط به الزمرد من كل مكان (ص9).
يتّضح للدارس أنّ الفعلين: s’élever و s’étendre لا يعنيان معا فعل "احتل". فالفعل الأول يدلّ على الارتفاع علوا. أما الفعل الثاني فيدل على الامتداد والاتساع. والربط بين الفعلين دفع بالترجمان إلى التغاضي عن ترجمة كلمة escarpés المرتبط بالربى وإضافة معان غير واردة في النص: "المكان اللائق به" وهي إضافة أتبعها بإضافة أخرى في آخر الجملة: "من كل مكان" لأنّه ترجم telle une améthyste sur un plateau d’émeraude كالدر... فاضطر اضطرارا إلى تلك الإضافة لما يتطلبه فعل "أحاط" من "فضلة" ليستقيم المعنى وتتم الإفادة. لكن النّص الفرنسي جاء خلوا منها. لذلك يحسن أن نترجم النص بأمانة فنؤدي المعنى الظاهر ونوحي بالمعنى العميق في آن. فنقول:
"أما قصر الحمراء... فقد ارتفع وامتد على منحدرات التلال الوعرة المخضرة حجرا كريما وسط طبق من الزمرد".
Artisans, étrangers, marchands, ouvriers, tous quittent leurs occupations (p : 128).
أسرع الناس زرفات ووحدانا من صناع وتجار وعملة وغرباء متجهين نحو المساجد بعدما غادروا أماكن عملهم (ص10).
نلاحظ أنّ "الترجمان" قد نقل: leurs occupations بـ"أماكن العمل". وفعلا فإنّ هذه الكلمة تحمل معنى الظرفية إلا أنّها لا تقتصر على ذلك، إذ تتعداه إلى إبراز "المشغل" الذي يجعل الفرد يحترف حرفة مّا. لذلك يحسن أن نترجمها "بالشواغل". وهي توحي بما يشغل الفرد. وهو الحرفة. وللحرفة بالطبع مكانها الخاص. كما يتضح لنا أنّ هناك إضافة واضحة في قوله: "زرافات ووحدانا" لأنّ النّص خلو منها. وإنّما هي إضافة لا غير. لذلك يحسن أن نقول: "غادر الصناع والغرباء والتجار والعاملون (تفاديا لكلمة العملة وما تحمله من مداليل خاصة) كلهم شواغلهم...."

3) فهم النص الفرنسي فهما يعتروه التصرّف ممّا أدّى إلى استنباط معنى معاكس لمقصد الكاتب. وينجر عن ذلك انسياق مع الأسلوب فلا يقف القلم عند حدود العبارة أو الكلمة...
Toutes les oreilles se prêtent mais au lieu de les charmer il s’enfuit       (p : 132).
فأنصت إليه الجميع. ولكنّه عوض أن يشنّف الأسماع ويطرب القلوب لاذ بالفرار (ص13)، إنّ عبارة toutes les oreilles تعني ضمنيا جميع الحاضرين، لكن كلمة "الجميع" لا تحمل في طياتها المعنى الأوّل لعبارة toutes les oreilles إنها قراءة للنص، لأنّ "الترجمان" لم يبق أمينا في ترجمته وإن أدّى المعنى. فنحن نعلم أنّنا نقول: "أُذُنٌ سَمِعَةٌ سَمُوعٌ سَمِعَةٌ". لذلك يمكن أن نرتبط بالنص ونستعمل فعل "استمع" أو "أنصت" أو "أصغى": أصغت له كل الآذان". أما فعل Charmer فقد تؤديه عبارة "شنّف الأسماع" إلا أنّنا لو تمعّنا في المعنى الدقيق لهذا الفـعل لوجدنـاه يدلّ عـلـى Exercer une action magique. والـمـعنــى المـقـصـود هـــو: captiver par un attrait puissant ويؤديه في نظرنا فعل "سحر" ولا نضطر إلى "إضافة" و"يطرب القلوب" نتيجة انسياق مع العبارة. فلا نستطيع إيقاف القلم عند حدود المعنى المطلوب. لذلك نقترح الترجمة التالية:
"أصغت له كل الآذان، لكنه عوض أن يسحرها لاذ بالفرار...."
Un prélude hatif donné, par tous les instruments, ouvre le concert (p : 131).
افتتحت حفلة الطرب باستهلال على الآلات الموسيقية (ص 12)
إنّ لفظ un prélude تدل على "الاستهلال". لكـنّنا نلاحظ أنّ الكاتب أضاف وصفا لهذه الكلمة: hatif ورغم معرفتنا بأنّ الاستهلال هو سريع بطبعه. لكن تأكيد ذلك أمر ضروري. فالافتتاح كان قصيرا في مداه، إلا أنّه أقصر. لذلك يحسن عند الترجمة أن نصوّر ذلك. وقد سها "الترجمان" عن ترجمة tous. لذلك نقترح "افتتحت الحفلة بتمهيد سريع أدّته كلّ الآلات".

4 – الترجمة المبنية على قراءة النص والتصرف فيه:
Des acclamations retentissent et la poétesse interdite jette son eoud se couvrant des deux mains la figure (p : 132).
تعالت الهتافات المدوية فبهتت الشاعرة وألقت بعودها على الأرض مخفية عينيها بكلتا يديهـا (ص 13).
إنّ لفظ la figure إن دلت على "كل" أي عن الوجه بما فيه من أنف وفم وعينين وخدّ، إلا أنّه يصعب قبول ترجمتها بجزء من هذه الأجزاء. وهذا يؤّكد أنّ "الترجمان" قد انطق النص بمعنى من المعاني الممكنة. وهي قراءة أدّت إلى التصرّف فيه وتغيير المعنى الدقيق.
L’alarme lancée, trop tard par les sentinelles a mis tout en éveil (p : 133).
إنّ نداءات الفزع التي أطلقها الحرّاس قد أيقظت جميع السكان (ص15).
إنّ عبارة l’alarme lancée وردت دالّة على المفرد إلا أنّ الترجمان أراد أن يعبّر بالجمع عن هذا المعنى. فكأن المترجم سعى إلى إبراز "الكثرة" دلالة على معنى l’alarme إلا أنّه يمكن الاقتصار على لفظ "الإنذار". وهو الدال دلالة قاطعة على الكلمة الفرنسية. ويتّضح لنا أنّ الترجمان في هذه الصيغة قد قرأ النص وحاول تفسيره وبيانه.
Ses groupements (…) bouchent les principales rues… (p : 133).
تجمهرت جموع المقاومين (....) وقد أخذوا يسدّون الشارع (ص 15).
إنّ المركب « Les principales rues » ورد في صيغة الجمع، إلا أنّ الترجمان ارتأى إيراده في صيغة المفرد. وهو أمر ينمّ عن انعدام التدقيق. فمدينة كمدينة غرناطة وهي في تلك الحقبة في الزمن عاصمة لآخر الممالك العربية بالأندلس لا تخلو من شوارع رئيسية. وهذا يدل على أن المترجم قد قرأ النص وتصرّف فيه تصرّفا واضحا.

5 – المغالطة بإيراد معان غير موجودة:
Hélas… quelques instants ont suffi pour que tous soit changé : (p :133).
وا حسرتاه ! ... لقد كانت بعض اللحظات كافية لتتبدل الأرض غير الأرض (ص13).
إنّ لفظة « tout » تعني "كل شيء" أي الأرض والعباد والحيوان والجماد. وهي لا تخصص ولا تحدد. لذلك يصعب قبول هذا المعنى لأنّه تصرّف واضح بإيراد معنى غير مقصود لذاته. فالكاتب أراد أن يصوّر التغيّر الطارئ كتغيّر كامل مطلق. فعبارة "الأرض غير الأرض" تؤدّي المعنى باعتباره قراءة من القراءات الممكنة للنص إلا أنّه قراءة فيها إضافة واضحة نتيجة التفسير والتحليل.
En vain il essaye de se relever en voyant ses meurtriers franchir le seuil. Mais impossible (p : 134).
لقد حاول بدون جدوى أن ينهض عندما شاهد قتلته يطأون بأقدامهم مدخل القصر (ص 16).
إنّ فعل franchir يعني أساسا المرور فوق عقبة أو عائق قفزا أو تسلقا. أما الفعل "وطئ يطأ" ففيه معنى الدوس نعني بالفرنسية la cohabitation avec une femme أي النكاح: الوطء. وهو المعنى نفسه الذي نجده في فعل اجتاز: سلك ومرّ وتخطّى وعبر. فقول الترجمان: "يطأون بأقدامهم مدخل القصر"، وإن عبّر عن المعنى إلا أنّ هذا التعبير جاء غير دقيق، بل فيه ضرب من المغالطة إذ الكاتب حاول تصوير سرعة المرور والتجاوز لعتبة القصر.
Une larme tiède traverse le grillage de la fenêtre (p : 134)
وماهي إلا برهة حتى سقطت من خلال النافذة دمعة حارة (ص 16).
إنّ عبارة « Traverser le grillage de la fenêtre » تحمل معنى "المروق" و"المرور" عبر قضبان النافذة، لا من خلال النافذة فقط. وقد جاء فعل "سقط" متمحّضا للدلالة على traverser وهي ترجمة دقيقة. ذلك أنّ الفعل الفرنسي يدل على passe à travers, d’un côté à un autre وفيه معنى passe de part en part. وإذا علمنا أنّ السياق يوحي بالعلو من خلال قوله: Alors les yeux attachés au balcon فإنّ فعل "سقط" الدال على tomber, couler يوحي بمعنى glisser إلا أنّ الترجمان في سبيل الربط أضاف معاني غير موجودة أصلا في النص الفرنسي يمكن اعتبارها من الإطناب. وذلك في قوله: "ماهي إلا برهة" لذلك نقترح ما يلي:
"ومرقت دمعة  فاترة من قضبان  النافذة":

6 – السهو عن ترجمة بعض الكلمات أو التعابير:
أغفل الترجمان بعض الكلمات. وقد يعتبر الإغفال في بعض الحالات بلاغة إذا تمكن المترجم من الإيحاء بالمعنى المطلوب. فيوجز دون إخلال بالمقصد. إلا أنّه يمكن أن يكون النكوص عن ترجمة بعض الكلمات أو التعابير مجرد سهو. أما إذا كان الإغفال لكلمات لها أهميتها في فهم النصّ فإنّه يؤدي إلى قراءة منقوصة" تضعف النص وتمسّ بعبقريته.
(…) La belle Grenade laisse apparaître des rubis emperlés (p : 128).
بدت غرناطة تحت قباب السماء متبرجة بجواهرها المرصّعة باللؤلؤ (ص9).
فقد أهمل الترجمان لفظ la belle وهو لفظ يعبّر، بلا شك، عن موقف الكاتب الضمني من هذه المدينة، فالكاتب يتغنى بغرناطة ويتحسر على فقدانها.
Et l’Alhamra, paradis des rois, s’élève et s’étend… (p : 128).
 أما قصر الحمراء فقد احتل المكان اللائق به... (ص 9).
إنّ الترجمان أسقط عبارة « Paradis des rois » كما أسقط كثيرا من الألفاظ أو العبارات. والملاحظ أنّ هذه الكلمات أو المركبات تكتسي أحيانا صعوبة مّا عند الترجمة، كما لا تخفى أهميتها بالنسبة إلى نص نُشِرَ منذ حوالي القرن... وسنكتفي بذكر بعض الأمثلة دون تعليق:
* Elle (la danceuse) déploie onduleusement ses membres, prend des poses de paresse (p : 131).
* (…) s’entourant des bras le col ou la taille (p : 131).
* Une de ces heureuses violettes …. (p : 132).
* Des vieillards (…) serrant leurs épées antiques.
وقد أهمل الترجمان الجملة التاريخية على أهميتها:
*Lentement, le voile de la nuit parsemée d’astres brillants enveloppe Grenade indolente (p : 131).

7 – أخطاء الإهمال وعدم الانتباه:
هي أخطاء بين الخطأ المطبعي والخطأ اللغوي البيّن، إلا أنّنا نذهب إلى القول بأنّها أخطاء جاءت نتيجة السهو وعدم التركيز.
من الأخطاء المطبعية نورد الأمثلة التالية:
-       لقت تألق جمال الأميرة وسط رفيقاتها تألق البدر وسط النجوم (ص 12) (لقد).
-       ولسان حالهم (الشيوخ) يقل (ص 15) (يقول).
-       ومن الأخطاء التعبيرية نورد ما يلي:
"ثم جاء دور ثلاث غوان" أورد "غوان" وهو جمع كثرة ويحسن أن نكتفي بذكر جمع المؤنث السالم: ثلاث غانيات... (ص 12).
"أصبحت (المدينة) وكأنها تنشد الراحة مثل ما يرغب فيها النهار" (ص 10).
فيحسن أن نحذف الواو ولا يتغير المعنى. 
"بدأت تتسلسل من خلال زجاج نوافذ" برج القمر" ذات الألوان الوردية والصفراء والخضراء أنوار محتشمة صادرة من الشموع المرتجفة".
نلاحظ في هذه الجملة ما يلي:
كان بالإمكان أن يبدأ الترجمان جملته بإيراد الفضلة (الظرف في هذا المقام) ليربط بين الفعل والفاعل، فلا نحس الفصل الحاصل بينهما "بشبه الجملة". فنقول: "ومن خلال زجاج نوافذ "برج القمر" ذات الألوان الوردية...
كما يحسن حذف الواو الرابطة بين الأوصاف فنقول: ذات الألوان الوردية الصفراء الخضراء.
كما يحسن إذا استعمل الترجمان لفظ "صادرة" أن يضيف حرف الجر: "عن" لا "من" فنقول: "صادرة عن الشموع المرتجفة"
يحسن بالترجمان خاصّة والكاتب عامّة والناشر أيضا التنبه إلى الأخطاء اللغوية مهما كان نوعها.
"ثم جاء دور ثلاث غوان أخريات فأخذت كل واحدة بيدي صاحبتها وشرعن في الرقص، فتارة يبتعدون وتارة يقتربون، وطورا يتعانقون وأخرى يدفع بعضهم البعض وكأنهن يعرضن لكلّ طور من أطوار الحبّ (ص 12).

الخـاتـمـة:
إنّ قصّة حسن حسني عبد الوهاب التي ألّفها وعمره لم يتجاوز الواحدة والعشرين، نصّ سردي يمتلك مقومات القصّ في صورته الحديثة. ورغم ما تراءى لنا من تأثير للأساليب العربية في طريقة التعبير التي سلكها الكاتب إلا أنّ نصّه جاء في لغة فرنسية سليمة دقيقة تدل على فهم عميق لعبقرية هذا اللسان.
وتعتبر هذه القصة أوّل تأليف سردي ينزع منزعا حديثا لكاتب تونسي. ويحسن في نظرنا أن تدرج هذه القصة ضمن النصوص التي تدرس في مؤسساتنا التعليمية الأساسية منها أو الثانوية أو الجامعية. ويمكن استغلالها سواء في نصّها الأصلي أي الفرنسي أو في نصّها المترجم إلى اللغة العربية.
ولا شك أنّ ترجمة الأستاذ حمادي الساحلي قد امتازت:
أوّلا: بسبق: "الترجمان" إلى تعريب هذا النّص وهو سبق يستحق التنويه والتقدير.
ثانيا: جاءت هذه الترجمة في لسان عربي أصيل دقيق أخّاذ، دون محسنات بديعية من شأنها أن تثقل كاهل النصّ، فاستطاع المترجم أن يعبّر عمّا في كنه النص وأن يفي بمضمونه إيفاء كاد أن يكون تامّا.
ورغم أنّ الترجمان لم يستطع إيقاف قلمه في بعض الحالات فانساق إلى بعض الإضافات أو سها عن بعض التعابير إلا أنّه تمكّن في إرجاع النص إلى أصله. وقد ساعدته على ذلك "سردية النصّ" وخصائصه "القصصية".
ولعل ما قمنا به من نقد قد يؤدي إلى مزيد التوضيح والفهم حتى يعود النص عودته المرتقبة. فيعزّز الرصيد القصصي العربي الحديث. فهو منبع يحسن بنا أن نحدّد مجال تأثيره في "قصصية" أدبنا الحديث. ولعلّنا بالعودة إليه نستلهم منه لنبني شكلا قصصيا مرتقبا يستجيب لأفق انتظار قارئ حصيف يتلهّف لفهم عصره وتاريخه.           
                                                       الأستاذ مصطفى مدائني


[1]  - أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك  ــ خير الدين التونسي تمهيد وتحقيق منصف الشنوفي [جزءان ] بيت الحكمة تونس 1991 . أنظر أيضا الوزير خير الدين ومعاصروه ـ علي الشنوفي ـ بيت الحكمة ـ تونس.
[2]  - الحركة الأدبية والفكرية في تونس ـ الشيخ محمد الفاضل بن عاشور  ط 3 , الدار التونسية للنشر 1983 وقد اشتمل الكتاب إضافة إلى الدراسة المقدمة نصوصا إبداعية لثلة من الكتاب التونسيين.
[3]  - أول قصّة للأطفال في تونس – محمد الهادي المطوي – المسار عدد 1 – خريف 1988، ص 114.
[4]  - ساهمت الصحافة ولعبت دورها في دعم القصة نذكر مجلة خير الدين ـ الفجر قبل الثلاثينات  كتب   صالح   السويسي [1880ــ1940] هيفاء وسراج الليل ـ محمد مناشو فذلكة [ فكاهة ] في مجلس القضاء [ مرشـد الأمـة ] وأعاد الشيـخ الفاضـل بن عاشور نشرها في كتابه المذكور آنفا ص315ـ ابراهيم بن شعبان : فضائع المقامرة ـ صادق الرزقي  : الساحرة التونسيـة ـ على فراش الموت [ بلا إمضاء ] ـ عبـد الرحمان الكعاك : حقيقة لا خيال  ـ وكذلك ساهمت العالم الأدبي [18]ب 18 قصة ألفهـا : المحدث ـ الراوي ـ مصطفى خريف ـ  التيجاني بن سالم ـ البشروش ـ الشابي ـ الدوعاجي [ جولة في حانات البحر الأبيض المتوسط ] أمّا في العالم : سعيد  أبو بكر : الكرنفال [ مارس 1932 ] إلى جانب دراسـات في مجـال القصـة : العالـم الأدبـي [11 مقالا ] ـ الزمان [3 ] الثريا [ 3 ] المباحث [1].
[5]  - طاحونة الشيء المعتـاد  ـ عبد الله القويـري ـ مقـال بعـنوان : نظـرة في الواقع الثقافي التونسي  إلى جانب دراسة قيمة لرواية التوت المر لمحمد العروسي المطوي  ـ ص ص 128 ـ 134 و ص ص 135 ـ 143.
[6]  - التثـقيف الذاتي أو كيف نربي أنفسنا  ـ سلامة موسى  مقال: ليكن لنا كفاح ثـقافي ...ـ  دار سلامة موسى للنشر و التوزيع ـ ط 1 ـ 1946 ص 227.
[7]  - أنجزت دراسـات و بحوث كثيرة حول النوادي والمجلات المختصة بها نذكر من بينها :
  ـ مجلة قصص بين الاستمرارية و التخصص إعداد الطالبة سارة مدس إشراف : الأستاذ مصطفى مدائني السنة الجامعية 2001 ـ 2002 بحث مرقون  ـ المعهد العالي للتـشيط الشبابي والثـقافي ـ بئر الباي .
ـ دور الملتقيات الفكرية و الأدبية منها والتارخية في دفع المد الفكري : ملتقى محمد فريد غازي و ملتقى بشير التليلي بجربة نموذجين  إعداد الطالبة كوثر عمر إشراف الأستاذ عبد القادر الجليدي  السنة الجامعية 1999 ـ2000 بالمعهد المذكور سابقا.
[8]  - يحسن فيما يتعلق بالجوائز أن توزع في إبانها و ألاّ تتأخر أو يسكت عنها لأنها تصبح عاملا مثبطا للكاتب.
[9]  - ظهرت بعض الأصوات تدعو إلى بعث خريطة أدبية تونسية . تتخصص بمقتضاها بعض المناطق بأوجه من وجوه الإبداع . وهي نظرة نراها مبسطة ذلك أن الأدب أو أي جنس إبداعي ليس حكرا على مكان دون آخر . و إنما المطلوب أن تقنن من حيث التواريخ و تعم كافة أرجاء الوطن.
[10]  - مرت فترة على بعث هذه الجوائز ,  فبعثت جيلا من الكتاب بدأ نجمه يسطع : سمر مزغني – عبير وعفاف ذويبي – سامي وناس – سامح الجفالي . إضافة إلى جوائز الكومار الذهبي و الفضي و البرنزي لقصص الأطفال وهي جائزة تقدم مناصفة بين الكاتـب  و الناشر. و تدعم هذه الجائزة الهامة مؤسسـات مالية من بنوك و تعاونيات.
[11]  - أقوم المسالك في معرفة أحوال الممـالك "خيرالدين التونسي (ج 1) ص 120.
[12]  - ندوة دور الأسرة في رعايـة و تنميـة الطفل نظرة مستقبليـة (18- 19 أبريل 2000 ) المجلس الأعلى للطفولة بدولة الإمارات العربية المتحدة – أنظر مقال : دور الأسرة و المدرسة في إعداد و تهيئة الطفل لمواجهة التحدّيات المستقبلية – د. سهام نعيم أحمد. ص ص 284 – 309 – مع الملاحظة أن كلمة globalisation   باللغة الفرنسية ظهرت أول مرّة   و استعملت سنة 1968.
[13]  - أنظر Skinner (B.F).   Par delà la liberté et la dignité
     Beyound  Freedom  and dignity. Paris-La font-1972  p170.                                                                          
[14] -  أنظر بصفة خاصة, المصدر السابق. مقالات : 7-  التطور الثقافي  8 - تخطيط الثقافة . 9- ما الإنسان ؟
[15]  -   Revue : « La renaissance Nord-Africaine » N° 3 Mars 1905 pp. 128-134.
[16]  -  مجلّة "قصص" ع17 – أكتوبر 1970 "السهرة الأخيرة بغرناطة" ص ص 9-17. 
[17]  -   أنظر ترجمة: حسن حسني بن صالح المعتصم الصمادحي في "تراجم المؤلفين التونسيين" لمحمد محفوظ ج III دار الغرب الإسلامي، بيروت (ذكر بالفهرست بالصفحة: 339/ وداخل الكتاب ط 1 1984 ص ص 337-343). وأيضا "حصاد العمر" م2- لأبي القاسم محمد كرو مقال: ح. ح. عبد الوهاب: حياته العامة والخاصة. دار المغرب العربي ط 1 1998 ص ص 71-74 وأعيدت ص 361.
[18]  -   أنظر: J. Fontaine : « Histoire de la littérature tunisienne T2 – Céres Ed. Tunis 1999 p. 135 ; pp. 146-147.
[19]  -   صالح القرمادي: "الترجمة عامل هامّ في العدوى اللغوية". الحوليات ع 11 سنة 1974 ص 9. أنظر أيضا: الترجمة ونظرياتها: "الترجمة العلمية بما هي ظاهرة اجتماعية فنّية": لأبي يعرب المرزوقي – التعليق الأوّل ص 25" بيت الحكمة 1989. وأيضا علي اللواتي: "أنابار منفى". قصائد س.ج. برس الدار العربية للكتاب. تونس 1985 ص 135.
[20]  -   محمد الهادي الطرابلسي: "بحوث في النص الأدبي" الدار العربية للكتاب. تونس 1984 ص ص 102-103.
[21]  -   المصدر نفسه ص 103.
[22]  -   المصدر نفسه ص 107.
[23]  -    "الترجمة ونظرياتها" يقول الأستاذ كمال عمران: "الترجمة في حقيقتها ترجمات" ص 15.
[24]  -  La grande encyclopédie Larousse : poétique et poésie.
[25]  -   Ibidem  
[26]  -  لسان العرب مادة: قبل.
المحيط: معجم اللغة العربية مادة: المقابلة...
*  - ترجمة العنوان التي نقترحها.
[27]  -   من ترجمتنا للنص.
[28]  -   Mikaïl BAKTINE : « Esthétique et théorie du roman ». Traduit du russe par : Daria OLIVIER. Galimard. Paris 1987 pp. 385-398 surtout en parlant du chronotrope du Seuil, de la crise, du tournant de la vie p. 389.
[29]  -   أنظر: Dictionnaire des littératures de langue Française T. III – Roman historique
[30]  -   محمد بن أبي عبد الله (+ 940 هـ = 1533 م) آخر ملوك غرناطة، على يديه تخلى العرب عن آخر مملكة لهم بالأندلس يوم 2 من ربيع الأول 897 هـ، 3 جانفي 1492 م. أنظر N.E.I. Tome 1
[31]  -   عدت عند ترجمة هذه المقطوعات إلى قراءة الدواوين التالية:
Hàfiz : « Le livre d’or du divân.
Histoire du monde », Collection dirigée par : Pierre Seghers, Ed. R. Laffond. Paris 1982.  
- "ديك الجن الحمصي" تحقيق محي الدين درويش. - عبد المعين الملوحي مراجعة – أحمد الجندي، دار طلاس، سوريا 1984.
- "ديوان ديك الجن" تقديم عبد الأمير مهنا، دار الفكر اللبناني، بيروت 1990.
- "رباعيات الخيام" تعريب: أحمد الصافي النجفي. - تقديم أحمد الجندي، دار طلاس، سوريا 1984.
- عمر أبو ريسشة: "من وحي المراة" تقديم مصطفى طلاس – نشر دار طلاس – سوريا 1984.
[32]  -   نذكر أيضا: Onduleusement soyeusement
[33]  -   أنظر: مفتتح القصة أو عند تصوير غرناطة كمدينة ص 128.